فهذه أخلاق إذا أخذ الملك نفسه بتعديلها فيه اتسقت له السياسة العادلة وانتظمت له السيرة الفاضلة .
فإن خرج الملك عن القصد والاعتدال المحمود في العطاء والمنع إلى أحد الطرفين المذمومين من زيادة في العطاء بسخائه أو زيادة في المنع ببخله فقد تنقسم أحوال الملوك فيها أربعة أقسام :
أحدهما ملك سخي على نفسه سخي على رعيته .
والثاني ملك بخيل على نفسه بخيل على رعيته .
والثالث ملك سخي على نفسه بخيل على رعيته .
والرابع ملك بخيل على نفسه سخي على رعيته .
وقد اختلفت طوائف الأمم أي الأربعة أقرب إلى الصواب وأبعد من العيب وإن لم يخل بالخروج عن الاعتدال من خطأ وعيب على أربعة آراء :
فرأي الروم أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو البخيل على نفسه وعلى رعيته لأنه مستبق وغير مستهلك .
ورأي الهند أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو السخي على نفسه السخي على رعيته لأنه منتفع ونافع .
ورأي الفرس أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو السخي على نفسه البخيل ( 24 ب ) على رعيته لأنهم يرون تنعيم النفوس من الواجبات فكان حق نفسه أحق به من حق غيره .
ورأي العرب أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو البخيل على نفسه السخي على رعيته لأنه إيثار غيره على نفسه .
تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك — صفحة 114
مساهمون: علي بن محمد البغدادي الماوردي
ص١١٤