تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
المعنى : ( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ ) . الباء في ( به ) للسببية ، أي ان الدنيا التي تباهون بها وتفاخرون هي أشبه بمطر نزل على الأرض ، فأخصبت وأنبتت من كل زوج بهيج ، واختلط بعض نباتها ببعض لكثرته ونموه ( مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعامُ ) . كل الأحياء عيال على الأرض تملأ بطونهم الجائعة ، فالناس يأكلون حب الزرع وثمر الشجر ، والدواب تأكل الحشائش وما إليها . ( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ ) كالعروس المجلوة انصرفت عن كل شيء ، وتفرغت ليتمتع العريس بها ( وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ) ويملكون التصرف في ثرواتها ، ويملئون بها جيوبهم وخزائنهم - بعد هذا الوثوق والاطمئنان ( أَتاها أَمْرُنا ) وهو الهلاك والآفات ( لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً ) تماما كالأرض المحصودة ( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ) بعد أن زال كل شيء حتى الآثار التي تخبر عما كان . . فيالنكد الطالع . . لقد خابت الآمال ، وتبخرت الأحلام . ( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) في أن متاع الدنيا إلى زوال ، وان من ركن إليه وحدها فقد ركن إلى سراب ، وانه ليس بشيء تراق له الدماء ، وتثار من أجله الحروب ، وتسخر لها عقول العباقرة وكبار العلماء . ( واللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ) قال المفسرون : المراد بدار السلام الجنة ، وليس من شك ان الجنة دار السعادة والسلام ، ولكن دعوة اللَّه تعم كل عمل يحقق لعياله الأمن والراحة ، بل إن اللَّه سبحانه حرم الجنة إلا على المتقين والعاملين في هذه السبيل ( ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) . ان دعوة اللَّه سبحانه لعمل الخير تشمل كل بالغ عاقل : دون استثناء ، فمن عصى وأهمل فهو الضال ومن أطاع وعمل فهو المهتدي ، ويصح أن تسند هدايته هذه إلى اللَّه لأن الطريق الذي سلكه إليها كان بأمر اللَّه وعنايته وتوفيقه ، أما ضلال من ضل فلا تصح نسبته إليه تعالى بحال ، لأنه قد نهاه عنه ، واللَّه لا ينهى عبده عن عمل ثم يلجئه إليه إلجاء .
التفسير الكاشف — صفحة 149 | محمد جواد مغنية