تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
الآية ما جاء في مجمع البيان ان جماعة من أشجع جاؤوا إلى النبي ( ص ) ، وقالوا له : ان دارنا قريبة من دارك ، وقد كرهنا حربك ، وحرب قومنا ، وأتينا لنوادعك ، فقبل منهم ، ووادعهم . فرجعوا إلى بلادهم . ولا شيء أقوى وأصدق من هذا في الدلالة على أن الإسلام سلم لمن سالمه ، وحرب على من حاربه . ( ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ ) . ان اللَّه سبحانه لا يتدخل بمشيئته التكوينية ( 1 ) في شيء من أمور الناس ، وانما أراد بقوله هذا ان يذكّر المسلمين بفضله عليهم . . وانه كان من الممكن أن ينضم هؤلاء إلى أعداء المسلمين ، ولكن اللَّه سبحانه صرفهم عن ذلك بوقوفهم على الحياد ، فقوله : ( ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) معناه لجرأهم عليكم ، ولم يجعل لكم هيبة في نفوسهم تبعثهم على طلب الموادعة والمتاركة . . وليس هذا من باب المشيئة التكوينية ، بل من المشيئة التوفيقية ، ان صح التعبير . ( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ) . « إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ - 42 الشورى » . . وأيضا قال عز من قائل : « لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ - 8 الممتحنة » . . وقال جلت حكمته : « وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها - 62 الأنفال » . إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو إلى المحبة والاخوة والمساواة ، والتعاون على كل ما فيه صلاح للناس بجهة من الجهات . . وأروع ما في الإسلام انه يعتبر الأعمال الانسانية من صميم الدين وصلبه ، بل يعتبرها السبيل الوحيد إلى اللَّه .

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ آية 91

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى
هامش
( 1 ) تكلمنا عن إرادة اللَّه التكوينية والتشريعية عند تفسير الآية 26 - 27 من سورة البقرة ، فقرة التكوين والتشريع ، المجلد الأول ، ص 27 .
التفسير الكاشف — صفحة 403 | محمد جواد مغنية