تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
اللَّه أمر نبيه بتجاهلهم والاغضاء عنهم ، كما سبق في الآية 63 من هذه السورة : « فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وعِظْهُمْ وقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً » ؟ . الجواب : ان هذه الآية أي 63 نزلت في المنافقين الذين كانوا مع النبي ( ص ) بالمدينة ، ولم يكن في وسع هؤلاء أن يتعاونوا مع المشركين لبعدهم عنهم وقربهم من الرسول وقوة المسلمين ، والآية التي نحن بصددها ، أي 89 نزلت في المنافقين الذين أصروا على البقاء في دار الشرك للكيد والغدر بالمسلمين . . هذا ، إلى أن اللَّه أمر نبيه بالإغضاء عن المنافقين حين كان الإسلام ضعيفا قليل الأنصار ، ثم أمره بقتلهم بعد أن أصبح قويا كثير الأنصار ، تماما كما أمره بالصبر في مكة ، والجهاد في المدينة . وبعد ان أمر اللَّه بالتنكيل بأولئك المنافقين الأعداء الألداء استثنى منهم صنفين : وأشار إلى الصنف الأول بقوله : ( إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) . يريد بهذا جل وعلا ان من يلتجئ من أولئك المنافقين إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد في المهادنة وترك القتال ، ان هذا اللاجئ يترك لا يؤسر ولا يقتل ، لأنه - والحال هذه - يكون مسالما للمسلمين ، تماما كالذين التجأ إليهم ، فيعامل معاملتهم في عدم التعرض له . . ومن المفيد أن ننقل ما قاله الرازي - هنا - : « اعلم أن هذا يتضمن بشارة عظيمة لأهل الايمان ، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين فبالأولى أن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة اللَّه ومحبة رسوله » . وليس من شك ان محبة أهل بيت الرسول ( ص ) هي محبة للَّه وللرسول ، لقوله تعالى : « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى - 23 الشورى » . وأشار إلى الصنف الثاني بقوله : ( أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ) . أي ان الذين يتحرجون أن يحاربوا المسلمين مع قومهم المشركين ، أو يحاربوا قومهم مع المسلمين ، وجاؤا إلى النبي ( ص ) يطلبون منه الرضا بالوقوف على الحياد ، لا معه ولا عليه ، ان هؤلاء يتركون أيضا ، لا يقتل ولا يؤسر أحد منهم ، لأنهم غير محاربين . وخير مثال يفسر هذه