تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2862

مساهمون:

ص٢٨٦٢
نزه اللَّه وقدسه ومجده عن النقائص والأغيار المغايرة له جميعا وعما يقول المشركون ، والمراد باسم ربك : المسمى وهو الرب ، ويقصد بهذا الأمر : تنزيه اللَّه تعالى مطلقا ، والأعلى الأجل والأعظم من كل ما يصفه به الواصفون ، فهو العالي والأعلى كالكبير والأكبر . وصفات الرب الأعلى : أنه الذي خلق الكائنات جميعها ، ومنها الإنسان ، وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات ، فعدل قامته ، وناسب بين أجزائه ، وجعلها متناسقة محكمة ، غير متفاوتة ولا مضطربة ، فقوله : * ( فَسَوَّى ) * عدّل وأتقن . والذي قدر لكل مخلوق ما يصلح له ، من المقادير المخصوصة ، فأرشده وعرفه وجوه الانتفاع بالأشياء . فقوله : * ( قَدَّرَ ) * معناه : التقدير والموازنة بين الأشياء . والذي أنبت العشب الذي ترعاه الدواب ، والنبات والزرع الذي يأكله الإنسان ، ثم جعل ذلك المرعى بعد اخضراره باليا هشيما جافا أسود يابسا . ثم وعد اللَّه نبيه تثبيت القرآن في قلبه ، فإنا سنجعلك أيها النبي قارئا ، بأن نلهمك القراءة ، فلا تنسى ما تقرؤه . قال مجاهد والكلبي : كان النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا نزل عليه جبريل بالوحي ، لم يفرغ جبريل من آخر الآية ، حتى يتكلم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأولها ، مخافة أن ينساها ، فنزلت : * ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) * ( 6 ) بعد ذلك شيئا ، فقد كفيتكه . وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس : فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات . إنك ستحفظ القرآن المنزل إليك ، ولا تنساه ، إلا ما شاء اللَّه أن تنساه ، فإن أراد أن ينسيك شيئا ، فعل . قال الحسن البصري وقتادة ومالك بن أنس : هذه الآية في معنى قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِه لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِه ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَه وقُرْآنَه ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناه فَاتَّبِعْ قُرْآنَه ( 18 ) [ القيامة : 75 / 16 - 18 ] . وعده اللَّه تعالى أن يقرئه ، وأخبره أنه لا ينسى نسيانا لا يكون بعده تذكّر فيذهب الآية ، وذلك أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان يحرك شفتيه ،
التفسير الوسيط — صفحة 2862 | وهبة الزحيلي