كانُوا صادِقِينَ ( 41 ) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ( 1 ) ويُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ( 2 ) وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وهُمْ سالِمُونَ ( 43 ) [ القلم : 68 / 34 - 43 ] . أخبر اللَّه تعالى أن المتقين لهم عند ربّهم جنات النعيم ، فروي أنه لما نزلت هذه الآية ، قالت قريش : إن كان ثمّ جنات نعيم ، فلنا فيها أكبر الحظ ، فنزلت آية : * ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) * ( 35 ) . وهذا على جهة الاطلاع والتوبيخ . والمعنى : إن لكل من اتّقى اللَّه وأطاعه ، في الآخرة ، جنات فيها النعيم الخالص الذي لا يزول ولا ينقضي . وحينما زعم المشركون المكّيون أن لهم الأفضلية في الآخرة ، لأفضليتهم في الثروة والنفوذ ، أو على الأقل المساواة مع المسلمين ، أجابهم اللَّه تعالى بقوله : * ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ . . ) * . أي كيف يعقل أن نسوّي بين الفريقين في الجزاء ، فنجعل من يلتزم الطاعة كمن هو فاجر مجرم لا يبالي بمعصيته ؟ كلا ، فلا مساواة بين المطيع والعاصي . ثم نفى اللَّه تعالى وجود أي دليل عقلي أو نقلي على هذا الزعم فيما يلي : - كيف تظنون ذلك ، وكيف تحكمون هذا الحكم الأعوج ، كأن قانون الجزاء مفوض إليكم ؟ إن أبسط مبادئ العقل وصحة الرأي يمنع مثل هذا الظن أو الحكم ، وهذا نفي للدليل العقلي على المساواة . أم ( بل وألف الاستفهام ) أي بل ألكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه ، يتضمن حكما مؤكدا كما تدّعون ؟ ومفاد الحكم التسوية بين المطيع والعاصي ، وهل في ذلك الكتاب أن لكم في الآخرة ما تختارون وتشتهون ؟ وهذا نفي الدليل النقلي .
التفسير الوسيط — صفحة 2715
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٧١٥
هامش
( 1 ) يوم يشتد الأمر ، وهذا مجاز .
( 2 ) تلحقهم ذلَّة ومهانة .