هو إظهاره ، وتغلبه على عدوه ، والرضوان في الآخرة ، والنصر العزيز : هو الذي معه غلبة العدو والظهور عليه .
أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال : أنزلت على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم * ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّه ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ) * مرجعه من الحديبية ، فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : لقد أنزلت على آية أحب إلي مما على الأرض ، ثم قرأها عليهم ، فقالوا : هنيئا مريئا لك يا رسول اللَّه ، قد بيّن اللَّه لك ماذا يفعل بك ، فما ذا يفعل بنا ؟ فنزلت : * ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ) * حتى بلغ * ( فَوْزاً عَظِيماً ) * .
إن اللَّه عز وجل هو الذي أوجد الطمأنينة في قلوب المؤمنين ، وهم الصحابة رضي اللَّه عنهم ، يوم الحديبية ، الذين استجابوا لله ولرسوله ، ليزيدهم اللَّه يقينا جديدا على يقينهم الحاصل من قبل . ويسمى هذا اليوم : رفع الروح المعنوية للجيش ، وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين : هو تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت ، وعلموا أن وعد اللَّه حق . فازدادوا بذلك إيمانا إلى إيمانهم الأول ، وكثر تصديقهم .
وهذا دليل على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب .
ولله تعالى السلطان على جنوده في السماوات والأرض ، من الملائكة والإنس والجن والشياطين ، والقوى الكونية في السماء والأرض ، من بحار وأنهار وزلازل وبراكين وأعاصير . وكان اللَّه ولا يزال عليما بمصالح خلقه ، حكيما في صنعه وتقديره وتدبيره ، وهذا إشارة إلى تسكين النفوس أيضا ، وأن تكون مسلمة ، لأنه ينصر من شاء ، متى شاء ، وعلى أي صورة شاء ، مما لا يدبره البشر . ومن جنده السكينة التي أنزلها في قلوب الصحابة ، فثبّتت بصائرهم .
ثم عرف اللَّه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين والكافرين ، فقد دبر اللَّه ما دبر ، من تسليط المؤمنين على الكافرين ، ليعرفوا نعمة اللَّه في ذلك ، ويشكروها ، وليدخل
التفسير الوسيط — صفحة 2452
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٤٥٢