وقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 24 ) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 25 ) فَأَذاقَهُمُ اللَّه الْخِزْيَ ( 1 ) فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 26 ) [ الزمر : 39 / 21 - 26 ] . المعنى : ألم تشاهد أيها النبي وكل بشر أن اللَّه أنزل من السحاب مطرا ، فأدخله وأسكنه في الأرض ، ثم أخرج منها عيونا متدفقة بالماء ، ثم تسقى به الأرض ، فيخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا أنواعه ، من الحنطة والشعير والحبوب الأخرى والخضروات وغيرها ، ثم ييبس ويجف ، فتراه مصفرا بعد خضرته ، ثم يتكسر ويتهشم ، إن في ذلك المذكور من إنزال المطر وإخراج الزرع به موعظة ينتفع بها أهل العقول الصحيحة . هذا مثال لحال الدنيا الفانية ، متاعها زائل ، وبهجتها ذاهبة ، وكل مفكر تفكيرا صحيحا يدرك أن سرعة زوال الدنيا يدل على قصر عمر الإنسان ، وأنه مهما طال ، لا بد له من الانتهاء ، كما جاء في آية أخرى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه لَه الْحُكْمُ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ [ القصص : 28 / 88 ] . ولا يكون الانتفاع بهذه المواعظ إلا إذا شرح اللَّه الصدور للإسلام ، ونوّر القلوب بالإيمان ، ولا يستوي هذا ومن حجب قلبه عن الأنوار الإلهية . أفمن وسّع اللَّه صدره ، فقبله واهتدى بهدية ، فأصبح مستنير القلب بنور الله ، وهو نور المعرفة ، والاهتداء إلى الحق ، كمن قسا قلبه لسوء اختياره وغفلته وجهالته ؟ ! أي لا يستوي المهتدي للإسلام والحق ، ومن هو قاسي القلب ، البعيد عن الحق ، فالعذاب الشديد لمن تحجرت قلوبهم عند سماع ذكر الله ، ولم تخشع لصوت الحق الإلهي ، أولئك قساة
التفسير الوسيط — صفحة 2232
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٢٣٢
هامش
( 1 ) الخزي : الذل والهوان .