تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2103

مساهمون:

ص٢١٠٣
أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وما كانَ لَه عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 ) [ سبأ : 34 / 15 - 21 ] . المعنى : لقد كان لقبيلة سبأ في مساكنهم في مأرب باليمن علامة على قدرة اللَّه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها ، وهي بستانان عن يمين الوادي وشماله ، وفيهما جميع الثمار ، يقال لهم بلسان الحال أو المقال : كلوا من رزق أو ثمار ربكم في هذين البستانين ، واشكروا اللَّه على ما رزقكم من هذه النعم ، فهذه بلدة طيبة بطيب أشجارها وثمارها وجمال مناخها ، واللَّه المنعم عليكم غفور لذنوب الموحدين التائبين . فأعرضوا عن توحيد اللَّه وعبادته وطاعته وعن شكره على ما أنعم عليهم ، ومالوا لعبادة الشمس من دون اللَّه تعالى ، فأرسل اللَّه عليهم سيل العرم ، أي المياه الكثيرة ، فحطمت سد مأرب ، فملأ الماء الوادي ، وأغرق البساتين ، ودمّر البيوت ، وأبدلهم اللَّه بتلك البساتين الغناء بساتين لا خير فيها ، فيها أشجار ذات ثمر مرّ وهي الأراك ، وأثل : وهو الطرفاء ، وسدر ، أي نبق ذو شوك كثير وثمر قليل . وسبب ذلك العقاب أو التبديل : هو مجازاة كفرهم أو شركهم بالله ، وتكذيبهم الحق ، ولا يعاقب اللَّه تعالى إلا المغرق في الكفر ، الجحود النعم . وأنعم اللَّه تعالى عليهم بنعم أخرى : هي جعل قرى مرتفعة عامرة بين قراهم وقرى الشام التي بارك اللَّه فيها بالمياه والخيرات ، وجعل فيها محطات متعاقبة ذات مسافات متناسبة ، وقيل لهم : سيروا في طرقات تلك القرى ليالي وأياما آمنين . فبطروا النعمة وسئموها ، وتمنوا طول الأسفار وتباعد الديار ، وقالوا : ربنا اجعل بيننا وبين البلاد التي نسافر إليها مفاوز وصحارى ، لركوب الرواحل ،
التفسير الوسيط — صفحة 2103 | وهبة الزحيلي