به إلى نبيّه . وهذه هي آيات القرآن الواضحة الدالَّة على تمييز الحق من الباطل ، والهدى من الضّلال .
ولعلك أيها النّبي بسبب تكذيب المشركين لدعوتك قاتل نفسك ومهلكها بالهمّ حزنا على عدم إيمانهم . وهذا إيناس له عما كان فيه من القلق والحرص على إيمانهم .
إننا إن شئنا ننزل عليهم آية سماوية تلجئهم إلى الإيمان وتقسرهم عليه ، فتصبح رقابهم خاضعة ذليلة لما نريد ، ولكنا لا نفعل ذلك ، لأننا نريد أن يكون الإيمان عن طواعية واختيار ورضا تام ، لا بالإكراه .
لكن هؤلاء الكفار ، كلما جاءهم كتاب من السماء يذكّرهم به الرّحمن بضرورة الإيمان وترك الشّرك ، أعرضوا عنه ، وكلما أنزل الله موعظة تذكّرهم ، جدّدوا الإعراض والتكذيب . والقصد من قوله تعالى : * ( مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ ) * أي محدث الإتيان ، والمراد أن مجيء القرآن للبشر كان مجيء شيء بعد شيء .
فإنهم كذبوا القرآن والحق ، ثم بادروا إلى الاستهزاء ، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب والاستهزاء ، في مستقبل الزمان .
ولما كان إعراضهم عن النظر في الإله الصانع أعظم كفرهم ، وكانوا يجعلون الأصنام آلهة ، ويرفضون كل تذكرة ، نبّه الله تعالى على قدرته وأنه الخالق المستحق العبادة بقوله : * ( أَولَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ ) * أي أو لم ينظروا إلى الأرض التي أوجدها الله ، وأنبت فيها من كل صنف ونوع حسن متقن ، كثير النفع ، من الزروع والثمار ، فيستدلَّوا بذلك على عظمة سلطان الله ، وعظيم قدرته . ويشمل ذلك كل ما به قوام الحياة والأمور ، والأغذية والنباتات ، ويدخل في ذلك الحيوان ، لأنه عن إنبات ، كما قال الله تعالى : واللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) [ سورة نوح : 71 / 17 ] . قال الشعبي : الناس : من نبات الأرض .
التفسير الوسيط — صفحة 1817
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٨١٧