والعرش أحد المخلوقات بل هو أعظم المخلوقات ، لذا خصّ بالذّكر ، وهو مخلوق معين ، وجسم ما ، وقد استوى اللَّه على عرشه بعد خلق السماوات والأرض ، يدبّر الأمر ، ويصرّف النظام ، ويمارس السلطان ، ويستولي على زمام الأمور استيلاء شاملا ، ونحن نؤمن كإيمان الصحابة باستواء اللَّه على العرش بكيفية تليق به ، من غير تشبيه ولا تجسيد ولا تكيف ، أي من غير تحديد بجهة ، ولا تقدير بوصف ، وتترك معرفة الحقيقة إلى اللَّه تعالى ، قال الإمام مالك رحمه اللَّه : الاستواء معلوم ( أي في اللغة ) والكيف ( أي كيفية الاستواء ) مجهول ، والسؤال عنه بدعة .
ثم أبان اللَّه تعالى بعض مظاهر تدبيره الكون ، وهو أنه سبحانه جعل الليل يلحق النهار بسرعة دون تأخّر ولا فاصل ، يغشاه بظلمته ، ويستره بلباسه ، حتى يذهب ضوء النهار ، لإتمام قوام الحياة ، ففي تعاقب الليل والنهار منافع كثيرة ، وتحقيق مصالح عديدة للناس ، فالليل للسكون والهدوء والنوم والراحة ، والنهار للمعاش والعمل والكدح ولقاء الناس وتبادل المنافع وتأمين المصالح .
ومن مظاهر التدبير الإلهي للكون : خلق اللَّه الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب ، وكونها جميعا تحت قهره وتسخيره ومشيئته ، فهي خاضعة لأمره وتصرّفه ، وكل كوكب يدور في فلكه إلى أجل مسمى وموعد محدد . واكتمل لله المادّة والمعنى في قوله سبحانه : * ( أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ ) * أي فهو الموجد الخالق لكل شيء ، وهو المتصرّف والمدبّر لكل شيء * ( تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ ) * أي تعاظم وتنزه ، وانفرد بالرّبوبية والألوهية ، فوجب على العباد شكره على نعمه وخيراته ، وعبادته دون غيره .
والعالمين جمع عالم يشمل الإنس والجنّ .
أسند الطبري إلى النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « من زعم أن اللَّه تبارك وتعالى جعل لأحد من العباد شيئا من الأمر ، فقد كفر بما أنزل اللَّه لقوله تبارك وتعالى : * ( أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ ) * »
قال النقاش : ذكر اللَّه الإنسان في
التفسير الوسيط — صفحة 674
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٦٧٤