التفسير الوسيط — صفحة 178
حب الدنيا وما هو خير منها الإسلام دين الاعتدال والاتزان والوسطية ، فليس العمل في مجاله مقصورا على الدنيا ، ولا مقصورا على الزهد والآخرة ، وليس هو دين رهبنة وتقشف وإهمال للدنيا ، ولا دين أخلاق وعبادة وعقيدة فحسب ، وإنما هو دين شامل لمصالح الدنيا والآخرة ، ويقترن فيه العمل والاعتقاد ، والعبادة والاحتراف ، والمادة والروح ، قال اللَّه تعالى : * ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) ) * [ الأعراف : 7 / 32 ] . ليس ممنوعا على المسلم حب الدنيا ومظاهرها ، ولكن الممنوع المبالغة والإسراف فيها ، والاقتصار عليها ، حتى تطغى على الناحية الدينية ، وتهمل أمور الآخرة . ولذا وبّخ اللَّه سبحانه وتعالى الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، ويقصرون هممهم عليها ، فقال عز وجل : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 14 ] * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ( 1 ) ( 1 ) المشتهيات طبعا . مِنَ النِّساءِ والْبَنِينَ والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ( 2 ) ( 2 ) المضاعفة . مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ( 3 ) ( 3 ) المعلمة . والأَنْعامِ ( 4 ) ( 4 ) الإبل والبقر والغنم والمعز . والْحَرْثِ ( 5 ) ( 5 ) المزروعات . ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا واللَّه عِنْدَه حُسْنُ الْمَآبِ ( 6 ) ( 6 ) المرجع الحسن . ( 14 ) ) * [ آل عمران : 3 / 14 ] . والمعنى : قد زيّن اللَّه حب الدنيا للناس وغرس حبها في قلوبهم حتى صار غريزة عندهم ، وذلك من أجل تعمير الدنيا وتقدمها ، فلو لم يحبها الناس لأهملوها وقصّروا في بناء معالمها ، وشهوات الدنيا كثيرة تشتمل على حب النساء والأبناء وتكديس الأموال ، وجمع الخيول المسومة أي المعلمة أو السائمة التي ترعى في المروج والمراعي ، واقتناء الأنعام ( المواشي ) وزرع الحبوب وإعداد البساتين ، وذلك كله متاع الحياة الدنيا وزينتها أي ما يستمتع به وينتفع به لمدة معلومة محصورة ، وتذم هذه الأشياء إن