على ما هي عليه إن مجملة وإن مفصلة فمفصلة هذا ما لا يمكن ومع تصريحه في مواضع شتى بأن الله تعالى يعلم كل شيء
وقد بالغ في الشامل في الرد على من يعتقد أنه يعلم بعض المعلومات دون بعض
ثم إن المازري ومن تبعه من شراح البرهان أخذوا في تقرير مسألة العلم بالجزيئات وهو أمر مفروغ منه عند المسلمين وكان الأولى بهم صرف العناية إلى فهم كلام الإمام لا أن سيعلم بما لا يخفى فهمه فيه الإمام ولا غيره فالذي ينبغي للمنصف الواقف على كلام الإمام أن يتأمله ليظهر له أن الإمام إنما منع من تعلق العلم التفصيلي بما لا تفصيل له وهي الأمور التي لا تتناهى باعتقاد عدم تمييز بعضها عن بعض وأن ما لا يتناهى لا يمكن أن يتميز بعضه عن بعض لا لكونها غير متناهية والمانع عنده من تعلق التفصيل بها هو عدم تمييز بعضها عن بعض لا لكونها غير متناهية وإنما تمنع من تعلق العلم التفصيلي بها والحالة هذه لأن الرب العليم الخبير إنما يعلم الأشياء على ما هي عليه
والله أعلم
وأما الاستنباط الذي ذكره المازري من القطع بفساد ما ذهب إليه الإمام من مذهب الأشعري في أن العلم بالشيء مجملا لا يضاد العلم به مفصلا ففاسد لأن الإمام لم يمنع من تعلق العلم التفصيلي بما لا يتناهى لحد تعلق العلم الإجمالي به حتى يتوهم متوهم أنه يعتقد التضاد وقد صرح في الشامل أنهما غير متضادين بل إنما منع من ذلك لأن ما لا يتناهى لا يكون في نفسه إلا مجملا غير متميز بعضه عن بعض فإنه إذا امتنع أن يكون في نفسه متميزا امتنع تعلق العلم التفصيلي به لأن العلم إنما يتعلق بالشيء على ما هو عليه من إجمال أو تفصيل وإلا كان جهلا
وأما الأمور المتناهية المعلومة على سبيل الإجمال فإن الإمام قد لا يمنع العلم بها على سبيل التفصيل إذا كانت متميزة بعضها عن بعض كالسواد والبياض والحمرة وغيرها من أجناس الألوان فإنها معلومة لرب العالمين على سبيل الإجمال من حيث كونها أعراضا وألوانا وعلى سبيل التفصيل من حيث كونها سوادا وبياضا وكذلك شرب زيد في
طبقات الشافعية الكبرى — صفحة 202
مساهمون: عبد الوهاب بن علي السبكي
ص٢٠٢