ثم أثنى - سبحانه - على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يوالوا أعداء اللَّه مهما بلغت درجة قرابتهم فقال : * ( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ ) * .
أي : أولئك الذين لا يوادون أعداء اللَّه مهما كانوا ، هم الذين كتب اللَّه - تعالى - الإيمان في قلوبهم ، فاختلط بها واختلطت به ، فصارت قلوبهم لا تحب إلا من أحب دين اللَّه ، ولا تبغض إلا من أبغضه .
* ( وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْه ) * أي : وثبتهم وقواهم بنور من عنده - سبحانه - فصاروا بسبب ذلك أشداء على الكفار ، رحماء بينهم .
* ( ويُدْخِلُهُمْ ) * - سبحانه - يوم القيامة * ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ) * خلودا أبديا ، * ( رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ) * بسبب طاعتهم له ، * ( ورَضُوا عَنْه ) * بسبب ثوابه لهم .
* ( أُولئِكَ ) * الموصوفون بذلك * ( حِزْبُ اللَّه ) * الذي يشرف من ينتسب إليه .
* ( أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّه هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * فلاحا ونجاحا ليس بعدهما فلاح أو نجاح .
وقد ذكروا روايات متعددة في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، منها : أنها نزلت في أبى عبيدة عامر بن الجراح ، فقد قتل أباه - وكان كافرا - في غزوة بدر .
والآية الكريمة تصدق على أبى عبيدة وغيره ممن حاربوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم ، عندما استحب هؤلاء الآباء والأبناء الكفر على الإيمان .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب عدم موالاة الكفار والفساق والمنافقين والمجاهرين بارتكاب المعاصي . . . مهما بلغت درجة قرابتهم ، ومهما كانت منزلتهم .
ومن دعاء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة » « 1 » .
وبعد فهذا تفسير لسورة « المجادلة » نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الدوحة - قطر مساء الجمعة غرة شعبان سنة 1406 ه 11 / 4 / 1986 م كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوي
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 330 .