تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وقال سعيد بن جبير : اللَّه - تعالى - قادر على أن يخلق السماوات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة ، ولكنه - سبحانه - خلقهن في ستة أيام ليعلم عباده التثبت في الأمور والتأنى فيها . والمقصود بالآية الكريمة بيان كمال قدرة اللَّه - تعالى - . والرد على من أنكر البعث والنشور . وعلى اليهود الذين زعموا أن اللَّه - تعالى - خلق العالم في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت . والفاء في قوله : * ( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) * فصيحة . أي : إذا كان الحال كما بينا لك يا محمد ، فاصبر على ما يقوله هؤلاء الضالون المكذبون من أقوال لا يؤيدها عقل أو نقل . وقوله : * ( وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الْغُرُوبِ ) * إرشاد له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى ما يعينه على الصبر . أي : اصبر - أيها الرسول الكريم - على أقوال هؤلاء الكافرين ، ونزه ربك - تعالى - عن كل ما لا يليق به ، وتقرب إليه بالعبادات والطاعات * ( قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الْغُرُوبِ ) * وهما وقتا الفجر والعصر . وخصهما - سبحانه - بالذكر لفضلهما وشرفهما . * ( ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْه ) * - أيضا - ونزهه عن كل ما لا يليق به ، * ( وأَدْبارَ السُّجُودِ ) * أي : وفي أدبار وأعقاب الصلوات فأكثر من تسبيحه - عز وجل - وتقديسه . ومن الأحاديث التي وردت في فضل التسبيح بعد الصلوات المكتوبة ، ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال : « جاء فقراء المهاجرين فقالوا : يا رسول اللَّه ، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم . فقال : « وما ذاك » ؟ قالوا : يصلون كما نصلى ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم ؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين » . قال : فقالوا : يا رسول اللَّه سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا مثله . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء » « 1 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ، ومِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى « 2 » .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري : « كتاب الأذان » باب « الذكر بعد الصلاة » ج 1 ص 213 . ( 2 ) سورة طه الآية 130 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 352 | سيد محمد طنطاوي