ما قبله ، كأن قيل : إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه ، فلا وجه لإنكارهم الثاني ، بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف . . « 1 » .
وقال بعض العلماء ما ملخصه : في الآية أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول ؟ ولم نكر اللبس ؟ ولم نكر الخلق الجديد ؟ .
وللإجابة على ذلك نقول : عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور في قوله يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ .
وأما التنكير فأمره منقسم ، فأحيانا يقصد به التفخيم ، من حيث ما فيه من الإبهام . . وهو المقصود هنا من تنكير لفظ * ( لَبْسٍ ) * . كأنه قيل : بل هم في لبس أي لبس .
وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره ، وهو المقصود هنا بقوله من * ( خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * أي : أن هذا الخلق الجديد شيء هين بالنسبة إلى الخلق الأول ، وإن كان كل شيء هين بالنسبة إلى قدرة اللَّه - تعالى - « 2 » .
ثم صورت السورة الكريمة بعد ذلك علم اللَّه - تعالى - الشامل لكل شيء تصويرا يأخذ بالألباب ، وبينت سكرات الموت وغمراته ، وأحوال الإنسان عند البعث . . بيانا رهيبا مؤثرا ، قال - تعالى - :
[ سورة ق ( 50 ) : الآيات 16 إلى 22 ]
ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِه نَفْسُه ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ( 17 ) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) وجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْه تَحِيدُ ( 19 ) ونُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ( 20 )
وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ( 21 ) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 )
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 26 ص 178 .
( 2 ) راجع حاشية تفسير الكشاف ج 4 ص 382 .