تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
قال ابن كثير : قوله : * ( كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ . . . ) * أي : كل من هذه الأمم ، وهؤلاء القرون كذب رسوله ، ومن كذب رسولا فكأنما كذب جميع الرسل . * ( فَحَقَّ وَعِيدِ ) * أي : فحق عليهم ما أوعدهم اللَّه - تعالى - على التكذيب من العذاب والنكال ، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم ، فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك « 1 » . وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين ، عادت السورة إلى تقرير الحقيقة التي كفر بها الجاهلون والجاحدون ، وهي أن البعث حق ، فقال - تعالى - : * ( أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * والاستفهام للإنكار والنفي ، وقوله * ( فَعَيِينا ) * من العي بمعنى العجز . يقال : عيى فلان بهذا الشيء ، إذا عجز عنه ، وانقطعت حيلته فيه ، ولم يهتد إلى طريقة توصله إلى مقصوده منه . واللبس : الخلط . يقال : لبس على فلان الأمر - من باب ضرب - إذا اشتبه واختلط عليه ، ولم يستطع التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ . أي : أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء الكافرين وإيجادهم من العدم ، حتى يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ؟ . كلا إننا لم نعجز عن شيء من ذلك لأن قدرتنا لا يعجزها شيء ، ولكن هؤلاء الكافرين لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الشيطان عليهم ، قد صاروا في لبس وخلط من أمرهم ، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على الخلق الجديد أي : على إعادتهم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى بعد موتهم . فقوله - تعالى - : * ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * أي : بل إن هؤلاء الكافرين في خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أي خلق مستأنف لهم بعد موتهم ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون - لعلموا أن القادر على الخلق من العدم ، قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى ، كما قال - سبحانه - : وهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ، وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه . . « 2 » . قال الآلوسي : وقوله : * ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * عطف على مقدر يدل عليه
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 375 . ( 2 ) سورة الروم الآية 27 .