تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
وفي دخول * ( فِي ) * في الكلام أوضح الدليل على أن معناه إلا مودتي في قرابتي منكم « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال : * ( ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَه فِيها حُسْناً ، إِنَّ اللَّه غَفُورٌ شَكُورٌ ) * . وقوله * ( يَقْتَرِفْ ) * من القرف بفتح القاف وإسكان الراء . بمعنى الكسب ، يقال : فلان يقرف لعياله ، أي : يكسب لهم ما يكفيهم لأمور معاشهم . ومن يكتسب حسنة يبغى بها التقرب إلى اللَّه تعالى ، نضاعف له - بفضلنا وإحساننا - ثوابها ، إن اللَّه تعالى واسع المغفرة لعباده . كثير الشكر للطائعين بأن يعطيهم من فضله أكثر مما يستحقون ويرجون . ثم عادت السورة إلى توبيخ الكافرين على كذبهم وعنادهم ، فقال تعالى : * ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً ) * . أي : بل أيقولون إن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد افترى على اللَّه - تعالى - كذبا فيما يدعونا إليه ، وفيما يتلوه علينا من قرآن ؟ ثم أجاب - سبحانه - عن افترائهم هذا بقوله : * ( فَإِنْ يَشَإِ اللَّه يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ) * أي : فإن يشأ اللَّه - تعالى - يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفترى عليه الكذب ، لأن افتراء الكذب على اللَّه لا يكون إلا ممن طبع اللَّه على قلوبهم فهم لا يفقهون ، وأنت أيها الرسول الكريم مبرأ ومنزه عن ذلك . فالمقصود من الجملة الكريمة تنزيه ساحة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما قاله المشركون في شأنه ، وإثبات أن افتراء الكذب . إنما هو من شأنهم لا من شأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( فَإِنْ يَشَإِ اللَّه يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ) * أي : فإن يشأ اللَّه - تعالى - يجعلك من المختوم على قلوبهم ، حتى تفترى عليه الكذب ، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على اللَّه إلا من كان في مثل حالهم . وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله ، وأنه في البعد مثل الشرك باللَّه ، والدخول في جملة المختوم على قلوبهم ومثال هذا : أن يخوّن بعض الأمناء فيقول : لعل اللَّه خذلنى ، لعل اللَّه أعمى قلبي ، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب ، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله ، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم . « 2 » .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 25 ص 17 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 223 .