ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يسلك هذا الطريق القويم فقال : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا . . ) * .
واسم الإشارة يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس . أي : أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الجميلة ، هم * ( الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) * من الأعمال الطيبة المتقبلة عندنا . . * ( ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ) * فلا نعاقبهم عليها ، لكثرة توبتهم إلينا . . بل نجعلهم * ( فِي ) * عداد * ( أَصْحابِ الْجَنَّةِ ) * الخالدين فيها ، والمتنعمين بخيراتها .
فالجار والمجرور في قوله * ( أَصْحابِ الْجَنَّةِ ) * في محل نصب على الحال ، على سبيل التشريف والتكريم ، كما تقول : أكرمني الأمير في أصحابه ، أي : حالة كوني معدودا من أصحابه .
وقوله - تعالى - : * ( وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) * تذييل مؤكد لما قبله . ولفظ * ( وَعْدَ ) * مصدر لفعل مقدر . أي : وعدهم اللَّه - تعالى - وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسنة الرسل في الدنيا .
هذا ، وقد ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن أبى بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - ، وقد استجاب اللَّه دعاءه ، فأسلم أبواه وأولاده جميعا . . « 1 » .
وبعد أن ساق - سبحانه - هذه الصورة الوضيئة لأصحاب الجنة ، أتبع ذلك ببيان صورة سيئة لنوع آخر من الناس ، فقال - تعالى - :
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 17 إلى 20 ]
والَّذِي قالَ لِوالِدَيْه أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّه وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 17 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 18 ) ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 19 ) ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ( 20 )
هامش
( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 194 .