تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وأما الدليل السادس فهو قوله - تعالى - : * ( وتَصْرِيفِ الرِّياحِ ) * : والمراد بتصريفها : تقليبها في الجهات المختلفة ، ونقلها من حال إلى حال ، وتوجيهها على حسب مشيئته - سبحانه - ، فتارة تراها حارة ، وتارة تراها باردة . أي : ومن الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، تقليبه - سبحانه - للرياح كما يشاء ويختار . وفي ذلك الذي بيناه لكم * ( آياتٌ ) * واضحات على قدرتنا * ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * ذلك . قال الجمل في حاشيته : وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة ، على ثلاث فواصل : الأولى * ( لِلْمُؤْمِنِينَ ) * ، والثانية * ( يُوقِنُونَ ) * ، والثالثة ، * ( يَعْقِلُونَ ) * . ووجه التغاير بينها ، أن المنصف من نفسه إذا نظر في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمن ، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها ، ازداد إيمانا فأيقن . وإذا نظر في سائر الحوادث عقل واستحكم علمه ، فاختلاف الفواصل الثلاث ، لاختلاف الآيات في الدقة والظهور « 1 » . وما ذكر في هذه الآيات الكريمة من أدلة ساطعة على قدرة اللَّه ووحدانيته جاء في آيات كثيرة ، من أجمعها قوله - تعالى - : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ، والْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ، وما أَنْزَلَ اللَّه مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِه الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ، وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ ، لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 2 » . وبعد أن ذكر - سبحانه - هذه الأدلة الكونية الساطعة التي تحمل الناس على إخلاص العبادة له وحده ، أتبع ذلك بتهديد الذين عموا عنها ، والذين اتخذوا آيات اللَّه هزوا . . فقال - تعالى - :

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 6 إلى 11 ]

تِلْكَ آياتُ اللَّه نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّه وآياتِه يُؤْمِنُونَ ( 6 ) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 7 ) يَسْمَعُ آياتِ اللَّه تُتْلى عَلَيْه ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْه بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 8 ) وإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 9 ) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً ولا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّه أَوْلِياءَ ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 10 ) هذا هُدىً والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 11 )
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 112 . ( 2 ) راجع تفسيرنا لهذه الآية في سورة البقرة ص 329 وما بعدها .