ذلك بالاختلاف والبغي ، ونهى - سبحانه - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن الاستماع إليهم ، وبين أنه لا يستوي عنده - عز وجل - الذين اجترحوا السيئات ، والذين عملوا الصالحات .
فقال - تعالى - : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ، أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، سَواءً مَحْياهُمْ ومَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ . وخَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ، ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ .
ثم حكى بعض الأقوال الباطلة التي تفوه بها الكافرون ، ورد عليها بما يزهقها ويثبت كذبها ، قال - تعالى - : وقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ، وما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ . وإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . قُلِ اللَّه يُحْيِيكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيه . ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ .
6 - ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في بيان أهوال يوم القيامة ، وفي بيان عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار .
قال - تعالى - : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِه ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ . وأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ، أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ، فَاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ .
7 - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته بما هو أهله ، فقال - تعالى - : فَلِلَّه الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأَرْضِ ، رَبِّ الْعالَمِينَ ، ولَه الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
هذا ، والمتدبر في هذه السورة الكريمة ، يراها تدعو الناس إلى التفكر فيما اشتمل عليه هذا الكون من آيات دالة على وحدانية اللَّه - تعالى - وكمال قدرته ، كما أنه يراها تحكى بشيء من التفصيل أقوال المشركين وترد عليها ، وتبين سوء عاقبتهم كما يراها تسوق ألوانا من نعم اللَّه على خلقه ، وتدعو المؤمنين إلى التمسك بكتاب ربهم ، وتبشرهم بأنهم متى فعلوا ذلك ظفروا برضوان اللَّه تعالى وثوابه .
فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ، ذلك هو الفوز المبين ، كما يراها تهتم بتفصيل الحديث عن أهوال يوم القيامة ، لكي يفيء الناس إلى رشدهم ، ويستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح .
قال - تعالى - : وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 140
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٤٠