* ( ولا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ) * وعن هنا للسببية ، فهي بمعنى الباء ، أي : ولا هم بسبب شربها تذهب عقولهم ، وتختل أفكارهم ، كما هو الحال في خمر الدنيا .
وأصل النّزف : نزع الشيء من مكانه وإذهابه بالتدريج ، يقال : نزف فلان ماء البئر ينزفه - من باب ضرب - إذا نزحه شيئا فشيئا إلى نهايته ، ويقال : نزف الرجل - كعنى - إذا سكر حتى اختل عقله ، وخصت هذه المفسدة بالذكر مع عموم ما قبلها ، لكونها من أعظم مفاسد الخمر .
وقوله - تعالى - : * ( وعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ) * بيان لمتعة أخرى من المتع التي أحلها اللَّه - تعالى - لهم .
وقاصرات : من القصر بمعنى الحبس ، وعين ، جمع عيناء ، وهي المرأة الواسعة العين في جمال . أي وفضلا عن ذلك ، فقد متعنا هؤلاء العباد بمتع أخرى . وهي أننا جعلنا عندهم للمؤانسة نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا يمدونها إلى غيرهم ، لشدة محبتهن لهم ، ومن صفات هؤلاء النساء - أيضا أنهن جميلات العيون .
* ( كَأَنَّهُنَّ ) * أي : هؤلاء النسوة * ( بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) * ، أي : كأنهن كبيض النعام . الذي أخفاه الريش في العش ، فلم تمسه الأيدي ، ولم يصبه الغبار ، في صفاء البشرة ، ونقاء الجسد .
وشبههن ببيض النعام ، لأن لونه مع بياضه وصفائه يخالطه شيء من الصفرة وهو لون محبوب في النساء عند العرب ولذا قالوا في النساء الجميلات : بيضات الخدور .
وإلى هنا تجد الآيات الكريمة قد بشرت عباد اللَّه المخلصين . بالعطاء المتنوع الجزيل ، الذي تنشرح له الصدور ، وتقر به العيون ، وتبتهج له النفوس .
ثم حكى - سبحانه - بعض المحاورات التي تدور بين عباده المخلصين ، بعد أن رأوا ما أعده - سبحانه - لهم من نعيم مقيم . . فقال - تعالى - :
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 50 إلى 61 ]
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 50 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ( 51 ) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ( 52 ) أَإِذا مِتْنا وكُنَّا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ( 53 ) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ( 54 )
فَاطَّلَعَ فَرَآه فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ( 55 ) قالَ تَاللَّه إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ( 56 ) ولَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 59 )
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 60 ) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ( 61 )