الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا ، فاسأل هؤلاء المشركين « أهم أشد خلقا » أي : أهم أقوى خلقة وأمتن بنية ، وأضخم أجسادا . . « أم من خلقنا » من ملائكة غلاظ شداد ، ومن سماوات طباق ، ومن أرض ذات فجاج .
لا شك أنهم لن يجدوا جوابا يردون به عليك ، سوى قولهم : إن خلق الملائكة والسماوات والأرض . أشد من خلقنا .
وقوله - تعالى - * ( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) * إشارة إلى المادة الأولى التي خلقوا منها في ضمن خلق أبيهم آدم - عليه السلام - .
أي : إنا خلقناهم من طين ملتصق بعضه ببعض ، ومتداخل بعضه في بعض .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث الذي أنكره المشركون .
أما الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السماوات والأرض والملائكة . . أعظم وأكبر منهم . . . ومن كان قادرا على خلق الأعظم والأكبر كان من باب أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر .
وقد ذكر - سبحانه - هذه الحقيقة في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 1 » .
وأما الدليل الثاني فهو قوله - تعالى - : * ( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) * وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب ، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى بعد أن يصيروا ترابا وعظاما .
إذ من المعروف لدى كل عاقل أن الإعادة أيسر من الابتداء . وقد قرر - سبحانه - هذه الحقيقة في آيات منها قوله - تعالى - : وهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ، وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ، ولَه الْمَثَلُ الأَعْلى فِي السَّماواتِ والأَرْضِ وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » .
ثم بين - سبحانه - أن حال هؤلاء المشركين تدعو إلى العجب فقال : * ( بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ ) * .
قال الجمل : وقوله : * ( بَلْ عَجِبْتَ ) * إضراب إما عن مقدر دل عليه قوله :
* ( فَاسْتَفْتِهِمْ ) * أي : هم لا يقرون بل عجبت ، وإما عن الأمر بالاستفتاء ، أي :
هامش
( 1 ) سورة غافر الآية 57 .
( 2 ) سورة الروم الآية 27 .