* ( وضَلَّ عَنْهُمْ ) * أي : وغاب عن هؤلاء المشركين ، ما كانوا يدعون من قبل أي :
ما كانوا يعبدونه في الدنيا من أصنام وغيرها .
* ( وظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) * أي : وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب .
يقال : حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب .
وقوله - تعالى - : * ( لا يَسْأَمُ الإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وإِنْ مَسَّه الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ ) * بيان لما جبل عليه الإنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم . ومن ضيقه بما يخالف ذلك .
ويبدو أن المراد بالإنسان في هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب ، وإلا فهناك مؤمنون صادقون ، إذا رزقهم اللَّه النعم شكروا ، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا .
والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى .
والسأم : الملل ، يقال سئم فلان هذا الشيء ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه .
واليأس : أن ينقطع قلب الإنسان عن رجاء الحصول على الشيء ، يقال : يئس فلان من كذا - من باب فهم - ، إذا فقد الرجاء في الظفر به .
والقنوط : أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته ، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما .
فكأن اليأس شيء داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التي تظهر علاماتها على الإنسان .
أي : لا يسأم الإنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة في النعم .
* ( وإِنْ مَسَّه الشَّرُّ ) * من عسر أو مرض * ( فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ ) * أي : فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة اللَّه - تعالى - وفضله ، بحيث تنكسر نفسه ، ويظهر ذلك على هيئته .
وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة ، للإشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر .
ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإنسان فقال * ( ولَئِنْ أَذَقْناه رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْه لَيَقُولَنَّ هذا لِي وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ، ولَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَه لَلْحُسْنى . . . ) * .
أي : ولئن أعطينا هذا الإنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما ، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا . . . ليقولن على سبيل الغرور والبطر : هذا الذي أعطيته شيء استحقه ، لأنه جاءني بسبب جهدي وعلمي .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 364
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٦٤