والمراد بالمجادلة في قوله - تعالى - : * ( إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّه بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ . . ) * المجادلة بالباطل بدون حجة أو دليل ، أما المجادلة لإحقاق الحق والكشف عنه . .
فهي محمودة ، لأنها تهدى إلى الخير والصلاح .
قال صاحب الكشاف : فأما الجدال في آيات اللَّه ، لإيضاح ملتبسها ، وحل مشكلها ، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها ، فأعظم جهاد في سبيل اللَّه . . « 1 » .
وجملة * ( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيه ) * خبر إن ، والكبر بمعنى التكبر والتعالي والتعاظم على الغير .
والمعنى : إن الذين يجادلون في آيات اللَّه - تعالى - الدالة على وحدانيته وصدق رسله ، وليس عندهم دليل أو برهان على صحة دعواهم . .
هؤلاء المجادلون بالباطل ما حملهم على ذلك إلا التكبر والتعاظم والتطلع إلى الرياسة وإلى أن تكون النبوة فيهم أو فيمن يميلون إليهم . . وهم جميعا لن يصلوا إلى شيء من ذلك ، ولن يبلغوا ما تتوق إليه نفوسهم المريضة ، لأن العطاء والمنع بيد اللَّه - تعالى - وحده .
وصدق اللَّه إذ يقول : ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » .
فالآية الكريمة تبين أن على رأس الأسباب التي حملت هؤلاء المجادلين بالباطل على جدالهم .
هو حبهم للتكبر والتعالي . . .
قال الآلوسي : قوله : * ( بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ . . . ) * أي : بغير حجة في ذلك أتتهم من جهته - تعالى - وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان الحجة ، للإيذان بأن المتكلم في أمر الدين ، لا بد من استناده إلى حجة واضحة وبرهان مبين ، وهذا عام في كل مجادل مبطل . .
وقوله : * ( ما هُمْ بِبالِغِيه ) * صفة لقوله * ( كِبْرٌ ) * أي ما هم ببالغي موجب الكبر ومقتضية ، وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من الرياسة أو النبوة . . « 3 » .
وقوله - سبحانه - : * ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّه إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * . إرشاد منه - تعالى - إلى ما يقي من شرور هؤلاء المجادلين بالباطل .
أي : هذا هو حال المجادلين بالباطل وهذا هو الدافع إلى جدالهم ، وما دام هذا هو حالهم ،
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 150 .
( 2 ) سورة فاطر آية 2 . [ . . . ]
( 3 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 78 .