والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه . . . ) * لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والاستفهام للإنكار والنفي .
أي ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أنك ستموت وهم سيموتون ، وأنكم جميعا ستقفون أمام ربكم للحساب والجزاء . . فلا أحد أشد ظلما من هؤلاء المشركين الذين كذبوا على اللَّه ، بأن عبدوا من دونه آلهة أخرى ، ونسبوا إليه الشريك أو الولد ، ولم يكتفوا بكل ذلك ، بل كذبوا بالأمر الصدق وقت أن جئتهم به من عند ربك .
والتعبير بقوله : * ( وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَه ) * يدل على أنهم بادروا بتكذيب ما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم من عند ربه ، بمجرد أن سمعوه ، ودون أن يتدبروه أو يفكروا فيه .
وتكذيبهم بالصدق ، يشمل تكذيبهم للقرآن الكريم ، ولكل ما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم والاستفهام في قوله - تعالى - * ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ) * للتقرير .
والمثوى : المكان مأخوذ من قولهم ثوى فلان بمكان كذا ، إذا أقام به . يقال : ثوى يثوى ثواء ، كمضى يمضى مضاء . . .
أي : أليس في جهنم مكانا يكفى لإهانة الكافرين وإذلالهم وتعذيبهم ؟ بل إن فيها لمكانا يذلهم ويذوقون فيه سوء العذاب .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة أهل الصدق والإيمان فقال : * ( والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِه أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) * .
والمراد بالذي جاء بالصدق : رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم والمراد بالذي صدق به : ما يشمل الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ويشمل كل من آمن به واتبعه فيما جاء به ، كأبي بكر الصديق وغيره من الصحابة .
قال الآلوسي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِه ) * الموصول عبارة عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس . . .
والمؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية ، دخول الجند في قولك : نزل الأمير موضع كذا . . .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 222
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٢٢