والقول بأن تسبيح الجبال كان بلسان الحال ضعيف لأمور منها : المخالفة لظاهر ما تدل عليه الآية من أن هناك تسبيحا حقيقيا بلسان المقال ، ومنها : أن تقييد التسبيح بكونه بالعشي والإشراق . وبكونه مع داود ، يدل على أنه تسبيح بلسان المقال ، إذ التسبيح بلسان الحال موجود منها في كل وقت ، ولا يختص بكونه في هذين الوقتين أو مع داود .
وخص - سبحانه - وقتي العشى والإشراق بالذكر . للإشارة إلى مزيد شرفهما ، وسمو درجة العبادة فيهما .
وقوله - تعالى - : * ( والطَّيْرَ مَحْشُورَةً . . . ) * معطوف على الجبال وكلمة محشورة : بمعنى مجموعة . وهي حال من الطير . والعامل قوله * ( سَخَّرْنَا ) * .
أي : إنا سخرنا الجبال لتسبح مع داود عند تسبيحه لنا ، كما سخرنا الطير وجمعناها لتردد معه التسبيح والتقديس لنا .
والتعبير بقوله * ( مَحْشُورَةً ) * يشير إلى أن الطير قد حبست وجمعت لغرض التسبيح معه ، حتى لكأنها تحلق فوقه ولا تكاد تفارقه من شدة حرصها على تسبيح اللَّه - تعالى - وتقديسه .
وجملة « كل له أواب » مقررة لمضمون ما قبلها من تسبيح الجبال والطير .
واللام في « له » للتعليل ، والضمير يعود إلى داود - عليه السلام - .
أي : كل من الجبال والطير . من أجل تسبيح داود ، كان كثير الرجوع إلى التسبيح .
ويصح أن يكون الضمير يعود إلى اللَّه - تعالى - فيكون المعنى : كل من داود والجبال والطير ، كان كثير التسبيح والتقديس والرجوع إلى اللَّه - تعالى - بما يرضيه .
وقوله - تعالى - : * ( وشَدَدْنا مُلْكَه ) * أي : قوينا ملك داود ، عن طريق كثرة الجند التابعين له ، وعن طريق ما منحناه من هيبة ونصرة وقوة . .
* ( وآتَيْناه الْحِكْمَةَ ) * أي : النبوة ، وسعة العلم ، وصالح العمل ، وحسن المنطق .
* ( وفَصْلَ الْخِطابِ ) * أي : وآتيناه أيضا الكلام البليغ الفاصل بين الحق والباطل ، وبين الصواب والخطأ ، ووفقناه للحكم بين الناس بطريقة مصحوبة بالعدل ، وبالحزم الذي لا يشوبه تردد أو تراجع .
ثم ساق - سبحانه - ما يشهد لعبده داود بذلك فقال : * ( وهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ) * .
والاستفهام للتعجيب والتشويق لما يقال بعده ، لكونه أمرا غريبا تتطلع إلى معرفته النفس .
والنبأ : الخبر الذي له أهمية في النفوس . .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 144
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٤٤