ما وقع وشاهدوه من أمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم وتصلبه في أمر التوحيد ، ونفى ألوهية آلهتهم . .
أي : إن هذا لشيء عظيم يراد من جهته صلَّى اللَّه عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه . فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم ، واصبروا على عبادة آلهتكم . وقيل : إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا ، فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر .
وقيل : إن هذا - أي : دينكم - يطلب لينتزع منكم ويطرح ويراد إبطاله . . « 1 » .
ثم يضيفون إلى ذلك قولهم : * ( ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ . . . ) * أي : ما سمعنا بهذا الدين الذي يدعونا إليه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم في ملة العرب التي أدركنا عليها آباءنا ، أو ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم في الملَّة الآخرة ، وهي ملة عيسى - عليه السلام - فإن أتباعه يقولون بالتثليث ، ويقولون بأنه الدين الذي جاء به عيسى .
وعلى هذين القولين يكون قوله * ( فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ ) * متعلق بسمعنا .
ويصح أن يكون المعنى : ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم كائنا في الملة التي تكون في آخر الزمان ، والتي حدثنا . عنها الكهان وأهل الكتاب .
وعلى هذا الرأي يكون قوله * ( فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ ) * حالا من اسم الإشارة وليس متعلقا بسمعنا .
ثم أكدوا نفيهم لعدم سماعهم لما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم بقولهم : * ( إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ ) * . أي : ما سمعنا شيئا مما يقوله ، وما يقوله ما هو إلا كذب وتخرص اختلقه من عند نفسه ، دون أن يسبقه إليه أحد .
يقال : اختلق فلان هذا القول ، إذا افتراه واصطنعه واخترعه من عند نفسه ، دون أن يكون له أصل من الواقع .
ثم صرحوا في نهاية المطاف بالسبب الحقيقي الذي حال بينهم وبين الإيمان ، ألا وهو الحقد والحسد ، وإنكار أن يختص اللَّه تعالى رسوله من بينهم بالرسالة ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : * ( أَأُنْزِلَ عَلَيْه الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ؟ . . . ) * .
والاستفهام للإنكار والنفي . أي : كيف يدعى محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم أنه قد أنزل عليه القرآن من بيننا ، ونحن السادة الأغنياء العظماء ، وهو دوننا في ذلك ؟ إننا ننكر وننفى دعواه النبوة من بيننا .
قال صاحب الكشاف : أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 23 ص 167 .