تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
البالغة أقصى دركات القبح والفحش ، والتي ما فعلها أحد قبلكم ، بل أنتم أول من ابتدعها ، وهي إتيان الذكور دون الإناث . قال عمر بن دينار : ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط . وقال الوليد بن عبد الملك : لولا أن اللَّه - تعالى - قد قص علينا خبر قوم لوط ، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا . وجاء قوله - عليه السلام - مؤكدا بجملة من المؤكدات ، لتسجيل هذه الفاحشة عليهم بأقوى أسلوب ، وبأنهم لم يسبقهم أحد إلى ارتكابها . وقوله - سبحانه - : * ( أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ ، وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ، وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ . . . ) * بيان لتلك الفاحشة التي كانوا يقترفونها ، والاستفهام للتأنيب والتقريع . والسبيل : الطريق . والنادي : اسم جنس للمكان الذي يجتمع فيه الناس لأمر من الأمور ، أي : أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ، وتقطعون الطريق على المارة ، بأن تنتهبوا أموالهم ، أو بأن تكرهوهم إكراها على ارتكاب الفاحشة معهم ، أو بأن تعتدوا عليهم بأي صورة من الصور ، وفضلا عن كل ذلك فإنكم ترتكبون المنكرات في مجالسكم الخاصة ، وفي نواديكم التي تتلاقون فيها . فأنت ترى أن نبيهم - عليه السلام - قد وصفهم بأوصاف ، كل صفة أقبح من سابقتها ، والباعث لهم على ارتكاب تلك المنكرات ، هو انتكاس فطرتهم ، وفساد نفوسهم ، وشذوذ شهواتهم . فماذا كان جوابهم على نبيهم - عليه السلام - ؟ لقد كان جوابهم في غاية التبجح والسفاهة ، وقد حكاه القرآن في قوله : * ( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِه إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّه إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) * . أي : فما كان جواب قوم لوط عليه ، إلا أن قالوا له على سبيل الاستخفاف بوعظه وزجره : ائتنا يا لوط بعذاب اللَّه الذي تتوعدنا به ، إن كنت صادقا في دعواك أنك رسول ، وفي دعواك أن عذابا سينزل علينا ، بسبب أفعالنا هذه التي ألفناها وأحببناها . وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين ، قد قابلوا نصح نبيهم تارة بالاستخفاف والاستهزاء كما هنا ، وتارة بالتهديد والوعيد ، كما في قوله - تعالى - : أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ « 1 » .
هامش
( 1 ) سورة النمل . الآية 56 .