تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
كتاب اللَّه - تعالى - ، إحداهما : نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، والثانية : باقية التلاوة والحكم . أما التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، فهي قوله - تعالى - : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة - وقد ورد ذلك في روايات متعددة - وتدل هذه الروايات على أن الصحابة قرؤها ووعوها . وعقلوها . وأن حكمها باق لأن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فعله ، والصحابة فعلوه من بعده . وأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم ، فهي قوله - تعالى - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وهُمْ مُعْرِضُونَ « 1 » ، على القول بأنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان ، وقد رجمهما النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقصة رجمه لهما مشهورة ، ثابتة في الصحيح . وعليه فقوله : ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وهُمْ مُعْرِضُونَ أي : عما في التوراة من حكم الرجم ، وذم المعرض عن الرجم في هذه الآية . يدل على أنه ثابت في شرعنا فدلت الآية - على هذا القول - أن الرجم ثابت في شرعنا . وهي باقية التلاوة . . . « 2 » 2 - كذلك أخذ العلماء من قوله - تعالى - : * ( ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه . . . ) * أنه لا تجوز الشفاعة في الحدود ، كما لا يجوز إسقاط الحد لأن في ذلك تعطيلا لتنفيذ شرع اللَّه - تعالى - على الوجه الأكمل . قال الآلوسي ما ملخصه : « قوله - تعالى - : * ( ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه . . ) * أي في طاعته وإقامة حده الذي شرعه . والمراد النهى عن التخفيف في الجلد . بأن يجلدوهما جلدا غير مؤلم ، أو بأن يكون أقل من مائة جلدة . أو بإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها . لما صح أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنكر على حبّه أسامة بن زيد حين شفع في فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية ، التي سرقت قطيفة أو حليا ، وقال له : « يا أسامة ، أتشفع في حد من حدود اللَّه - تعالى - ، ثم قام صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فخطب فقال : « أيها الناس ، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم اللَّه - تعالى - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » . وكما تحرم الشفاعة ، يحرم قبولها ، فعن الزبير بن العوام - رضى اللَّه عنه - قال : « إذا بلغ الحد إلى الإمام ، فلا عفا اللَّه - تعالى - عنه إن عفا » « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 23 . ( 2 ) راجع : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج 6 ص 5 وما ببعدها للشيخ محمد الأمين الشنقيطي . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 18 ص 83 .