تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
تمكن الرجل من أن يزنى بها . والخطاب في قوله - تعالى - : * ( فَاجْلِدُوا . . . ) * للحكام المكلفين بتنفيذ حدود اللَّه - عز وجل - . قال الجمل : « وفي رفع » الزانية والزاني « وجهان : أحدهما - وهو مذهب سيبويه - أنه مبتدأ خبره محذوف . أي : فيما يتلى عليكم حكم الزانية ، ثم بين ذلك بقوله : * ( فَاجْلِدُوا . . ) * والثاني : - وهو مذهب الأخفش وغيره - أنه مبتدأ . والخبر جملة الأمر ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط . . » « 1 » . فإن قيل : ما الحكمة في أن يبدأ اللَّه في فاحشة الزنا بالمرأة ، وفي جريمة السرقة بالرجل ، حيث قال : والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما . . . « 2 » ؟ . فالجواب : أن الزنا من المرأة أقبح ، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب ، وإلحاق الدنس والعار بزوجها وأهلها ، وافتضاح أمرها عن طريق الحمل ، وفضلا عن ذلك ، فإن تمكينها نفسها للرجل : هو الذي كان السبب في اقترافه هذه الفاحشة ، فلهذا وغيره قدمت المرأة هنا . وأما جريمة السرقة ، فالغالب أن الرجال أكثر إقداما عليها ، لأنها تحتاج إلى جسارة وقوة ، واجتياز للمخاطر . . . لذا قدم الرجل على المرأة فيها . وقوله - تعالى - * ( ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه . . ) * نهى منه - سبحانه - عن التهاون في تنفيذ حدوده ، وحض على إقامتها بحزم وقوة ، والرأفة : أعلى درجات الرحمة . يقال : رؤوف فلان بفلان - بزنة كرم - إذا اشتد في رحمته ، وفي العناية بأمره . أي : أقيموا - أيها الحكام - حدود اللَّه - تعالى - على الزانية والزاني بأن تجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، دون أن تأخذكم شفقة أو رحمة في تنفيذ هذه الحدود ، ودون أن تقبلوا في التخفيف عنهما شفاعة شفيع ، أو وساطة وسيط ، فإن اللَّه - تعالى - الذي شرع هذه الحدود . وأمر بتنفيذها بكل شدة وقوة ، أرحم بعباده وبخلقه منكم . والرحمة والرأفة في تنفيذ أحكامه ، لا في تعطيلها . ولا في إجرائها على غير وجهها . وقوله - سبحانه - : * ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ . . ) * تأكيد لما قبله ، وإلهاب لمشاعرهم ، لتنفيذ حدود اللَّه - تعالى - .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 206 . ( 2 ) سورة المائدة الآية 38 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 79 | سيد محمد طنطاوي