تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
فإن قلت : يزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه ؟ قلت : يا سبحان اللَّه . كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس - رضى اللَّه عنهما - ويخفى إسلام أبى طالب » « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان سينزل بالعالم من فساد . فيما لو اتبع الحق - على سبيل الفرض - أهواء هؤلاء المشركين ، فقال - تعالى - : * ( ولَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ . . . ) * والمراد بالحق هنا - عند كثير من المفسرين - هو اللَّه - عز وجل - إذ أن هذا اللفظ من أسمائه - تعالى - . والمعنى : ولو أجاب اللَّه - تعالى - هؤلاء المشركين إلى ما يهوونه ويشتهونه من باطل وقبيح . لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن لأن أهواءهم الفاسدة من شرك . وظلم ، وحقد ، وعناد . . . ، لا يمكن أن يقوم عليها نظام هذا الكون البديع ، الذي أقمناه على الحق والعدل . . . ويرى بعض المفسرين أن المراد بالحق هنا ما يقابل الباطل ويدل على ذلك قوله - تعالى - : * ( بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ . ) * فيكون المعنى : ولو اتبع الحق الذي جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أهواء المشركين ، لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ، وذلك لأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جاءهم بالتوحيد وهم يريدون الشرك ، وجاءهم بمكارم الأخلاق ، وهم يريدون ما ألفوه من شهوات ، وجاءهم بالتشريعات العادلة الحكيمة ، وهم يريدون التشريعات التي ترضى غرورهم وأوضاعهم الفاسدة ، والتي منها تفضيل الناس بحسب أحسابهم وغناهم ، لا بحسب إيمانهم وتقواهم . . . ومع وجاهة الرأيين ، إلا أننا نميل إلى الرأي الثاني ، لأنه أقرب إلى سياق الآيات ، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - : * ( بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ . ) * وقوله - سبحانه - : * ( بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ) * انتقال من توبيخهم على كراهيتهم للحق ، إلى توبيخهم على نفورهم مما فيه عزهم وفخرهم . والمراد بذكرهم : القرآن الذي هو شرف لهم ، كما قال - تعالى - : وإِنَّه لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكاشف ج 3 ص 195 . ( 2 ) سورة الزخرف الآية 44 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 52 | سيد محمد طنطاوي