تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم الأولين ، حين خافوا اللَّه - تعالى - فآمنوا به ويكتبه ورسله ، فالمراد بآبائهم : « المؤمنون » منهم كإسماعيل - عليه السلام . . . « 5 » . ثم انتقلت السورة إلى توبيخهم - ثالثا - على كفرهم مع علمهم بصدق الرسول وأمانته ، فقال - تعالى - * ( أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَه مُنْكِرُونَ . ) * أي : أيكون سبب كفرهم أنهم لم يعرفوا رسولهم محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ؟ كلا فإن هذا لا يصلح سببا ، إذ هم يعرفون حسبه ونسبه ، وأمانته ، وصدقه ، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين قبل بعثته ، وأبو سفيان - قبل أن يدخل في الإسلام - شهد أمام هرقل ملك الروم ، بأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلَّم كان معروفا بصدقه وأمانته قبل البعثة . ثم انتقلت السورة - للمرة الرابعة - إلى توبيخهم على أمر آخر ، فقال - تعالى - : * ( أَمْ يَقُولُونَ بِه جِنَّةٌ . . . ) * أي : أيكون سبب إصرارهم على كفرهم اتهامهم للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالجنون ؟ كلا ، فإنهم يعلمون حق العلم أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هو أكمل الناس عقلا ، وأرجحهم فكرا ، وأثقبهم رأيا ، وأوفرهم رزانة . وقوله - تعالى - * ( بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) * إضراب عما يدل عليه ما سبق من اتهامات باطلة دارت على ألسنة المشركين . أي : ليس الأمر كما زعموا من أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم به جنة أو أنه أتاهم بما لم يأت آباءهم الأولين ، بل الأمر الصدق ، أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جاءهم بالحق الثابت الذي لا يحوم حوله باطل ولكن هؤلاء القوم أكثرهم كارهون للحق ، لأنه يتعارض مع أنانيتهم وشهواتهم ، وأهوائهم . . وقال - سبحانه - : * ( وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) * لأن قلة من هؤلاء المشركين كانت تعرف أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد جاءهم بالحق ، وتحب أن تدخل في الإسلام ، ولكن حال بينهم وبين ذلك ، الخوف من تعيير أقوامهم لهم بأنهم فارقوا دين آبائهم وأجدادهم ، كأبى طالب - مثلا - فإنه مع دفاعه عن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقي على كفره . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله * ( وأَكْثَرُهُمْ ) * فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق ؟ قلت : كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه ، وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه ، لا كراهة للحق ، كما يحكى عن أبي طالب .
هامش
( 5 ) تفسير الآلوسي ج 18 ص 50 .