تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
كان الليل سرمدا - هي أكثر الحواس استعمالا في تلك الحالة المفترضة ، وختم الآية الثانية بقوله : * ( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) * ، لأن حاسة البصر - فيما لو كان النهار سرمدا - من أكثر الحواس استعمالا في هذه الحالة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : بنهار تتصرفون فيه ، كما قيل « بليل تسكنون فيه ، ؟ قلت ذكر الضياء - هو ضوء الشمس - لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ، ليس التصرف في المعاش وحده ، والظلام ليس بتلك المنزلة « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ومِنْ رَحْمَتِه جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيه ، ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * بيان لمظاهر فضل اللَّه - تعالى - على الناس ، حيث جعل الليل والنهار على تلك الحالة التي يعيشون فيها . أي : ومن رحمته بكم - أيها الناس - أنه - سبحانه - لم يجعل زمان الليل سرمدا ، ولا زمان النهار ، بل جعلهما متعاقبين ، وجعل لكل واحد منهما زمانا محددا مناسبا لمصالحكم ومنافعكم ، فالليل تسكنون فيه وتريحون فيه أبدانكم ، والنهار تنتشرون فيه لطلب الرزق من اللَّه تعالى . وقد فعل - سبحانه - ذلك لمصلحتكم ، كي تشكروه على نعمه ، وتخلصوا له العبادة والطاعة . وبعد هذا الحديث عن مشاهد الكون ، عادت السورة - للمرة الثالثة - إلى الحديث عن أحوال المجرمين يوم القيامة ، فقال - تعالى - : * ( ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) * . أي : كن متذكرا - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، حال المجرمين يوم القيامة ، يوم يناديهم اللَّه - تعالى - على سبيل التقريع والتأنيب فيقول لهم : أين شركائي الذين كنتم في دنياكم تزعمون أنهم شركائي في العبادة والطاعة . إنهم لا وجود لهم إلا في عقولكم الجاهلة ، وأفكاركم الباطلة ، وتقاليدكم السقيمة . قال - تعالى - : ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ، وما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكاشف ج 3 ص 428 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 94 .