تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
شدة الحركة وسرعتها مع عظم حجمها . وإنما ولى موسى مدبرا عنها ، لأنه لم يخطر بباله أن عصاه التي بيده ، يحصل منها ما رآه بعينه ، من تحولها إلى حية تسعى وتضطرب وتتحرك بسرعة كأنها جان ، ومن طبيعة الإنسان أنه إذا رأى أمرا غريبا اعتراه الخوف منه ، فما بالك بعصا تتحول إلى حية تسعى . ثم بين - سبحانه - ما نادى به موسى على سبيل التثبيت وإدخال الطمأنينة على قلبه ، فقال : * ( يا مُوسى لا تَخَفْ . ) * أي : فلما ولى موسى ولم يعقب عندما ألقى عصاه فانقلبت حية ، ناداه ربه - تعالى - بقوله : * ( يا مُوسى لا تَخَفْ ) * مما رأيت أو من شيء غيرى ما دمت في حضرتي . وجملة * ( إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) * تعليل للنهي عن الخوف ، أي إني لا يخاف عندي من اخترته لحمل رسالتي ، وتبليغ دعوتي . وقوله - سبحانه - : * ( إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * استثناء منقطع مما قبله . أي : إني يا موسى لا يخاف لدى المرسلون ، لكن من ظلم وارتكب فعلا سيئا من عبادي ، ثم تاب إلى توبة صادقة ، بأن ترك الظلم إلى العدل والشر إلى الخير . والمعصية إلى الطاعة ، فإني أغفر له ما فرط منه ، لأنى أنا وحدي الواسع المغفرة والرحمة . قال ابن كثير : هذا استثناء منقطع ، وفيه بشارة عظيمة للبشر ، وذلك أن من كان على شيء ثم أقلع عنه وتاب وأناب ، فإن اللَّه يتوب عليه ، كما قال - تعالى - وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى وقال - تعالى - ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّه ، يَجِدِ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً « 1 » وقيل : إن الاستثناء متصل ، فيكون المعنى : لا يخاف لدى المرسلون ، إلا من ظلم منهم بأن وقع في الصغائر التي لا يسلم منها أحد ، ثم تاب منها وأقلع عنها ، فإني غفور رحيم . قال الآلوسي : « والظاهر - هنا - انقطاع الاستثناء ، والأوفق بشأن المرسلين ، أن يراد بمن ظلم : من ارتكب ذنبا كبيرا أو صغيرا من غيرهم . و * ( ثُمَّ ) * يحتمل أن تكون للتراخي الزماني فتفيد الآية المغفرة لمن بدل على الفور من باب أولى . ويحتمل أن تكون للتراخي الرتبى ، وهو ظاهر بين الظلم والتبديل . . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 191 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 19 ص 166 .