تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الإبل فيجعلها تشرد عن صاحبها بدون وقوف في مكان معين ، ومنه قوله - تعالى - : فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ أي : الجمال العطاش الشاردة . والمعنى : ألم تر - أيها العاقل - أن هؤلاء الشعراء في كل فن من فنون الكذب في الأقوال يخوضون ، وفي كل فج من فجاج الباطل والعبث والفحش يتكلمون ، وأنهم فوق ذلك يقولون ما لا يفعلون ، فهم يحضون غيرهم على الشيء ولا يفعلونه ، وهم يقولون فعلنا كذا وفعلنا كذا - على سبيل التباهي والتفاخر - مع أنهم لم يفعلوا . قال صاحب الكشاف : ذكر الوادي والهيوم : فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه ، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأشحهم على حاتم ، وأن يبهتوا البريء ، ويفسقوا التقى « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّه كَثِيراً وانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا . . . ) * استثناء من الشعراء المذمومين الذين يتبعهم الغاوون ، والذين هم في كل واد يهيمون . أي : إلا الشعراء الذين آمنوا باللَّه - تعالى - وعملوا الأعمال الصالحات وذكروا اللَّه كثيرا بحيث لم يشغلهم شعرهم عن طاعة اللَّه ، وانتصروا من بعد ما ظلموا من أعدائهم الكافرين ، بأن ردوا على أباطيلهم ، ودافعوا عن الدين الحق . إلا هؤلاء ، فإنهم لا يكونون من الشعراء المذمومين ، بل هم من الشعراء الممدوحين . قال ابن كثير : لما نزل قوله - تعالى - : * ( والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ) * جاء حسان بن ثابت ، وعبد اللَّه بن رواحة ، وكعب بن مالك إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهم يبكون وقالوا . قد علم اللَّه - تعالى - أنا شعراء ، فتلا عليهم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « * ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * قال : أنتم . * ( وذَكَرُوا اللَّه كَثِيراً ) * قال : أنتم * ( وانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) * قال : أنتم » « 2 » . فالشعراء : منهم المذمومون وهم الذين في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون . . ومنهم الممدوحون وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا اللَّه كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا . والشعر في ذاته كلام : حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، فخذ الحسن ، واترك القبيح .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 344 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 186 .