تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
ألف - . أي : أشرين بطرين فرهين . . « 1 » . أي : وأنهاكم - أيضا - عن انهماككم في نحت الحجارة من الجبال بمهارة وبراعة ، لكي تبنوا بها بيوتا وقصورا بقصد الأشر والبطر ، لا يقصد الإصلاح والشكر للَّه - فمحل النهى إنما هو قصد الأشر والبطر في البناء وفي النحت . ثم نهاهم عن طاعة المفسدين في الأرض بعد أن أمرهم بتقوى اللَّه فقال : * ( ولا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ولا يُصْلِحُونَ . ) * أي : اجعلوا طاعتكم للَّه - تعالى - وحده ، ولى بصفتي رسوله إليكم ، واتركوا طاعة زعمائكم وكبرائكم المسرفين في إصرارهم على الكفر والجحود والذين من صفاتهم أنهم يفسدون في الأرض فسادا لا يخالطه إصلاح . قال الآلوسي : قوله : * ( ولا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . . ) * كأنه عنى بالخطاب جمهور قومه . وبالمسرفين كبراءهم في الكفر والإضلال . وكانوا تسعة رهط . . والإسراف : تجاوز الحد في كل أمر . . والمراد به هنا : زيادة الفساد . . والمراد بالأرض : أرض ثمود . وقيل : الأرض كلها . ولما كان قوله * ( يُفْسِدُونَ ) * لا ينافي إصلاحهم أحيانا ، أردفه بقوله - تعالى - : * ( ولا يُصْلِحُونَ ) * لبيان كمال إفسادهم . وأنه لم يخالطه إصلاح أصلا « 2 » . ولكن هذا النصح الحكيم من صالح لقومه ، لم يقابل منهم بأذن صاغية ، بل قابلوه بالتطاول والاستهتار وإنكار رسالته * ( قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ . ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ، فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . ) * أي : قال قوم صالح له : أنت لست إلا من الذين غلب عليهم السحر ، وأثر في عقولهم ، فصاروا يتكلمون بكلام المجانين . وما أنت - أيضا - إلا بشر مثلنا تأكل الطعام كما نأكل . وتشرب الشراب كما نشرب . . فإن كنت رسولا حقا فأتنا بعلامة ومعجزة تدل على صدقك في دعواك الرسالة وكأنهم - لجهلهم وانطماس بصائرهم - يرون أن البشرية تتنافى مع النبوة والرسالة ، وتضرع صالح - عليه السلام - إلى ربه - عز وجل - أن يمنحه معجزة لعلها تكون سببا في هداية قومه ، وأجاب اللَّه - تعالى - تضرعه ، فقال - سبحانه - : * ( قالَ هذِه ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ، ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ . ) * قال ابن كثير : ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ، ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم ، فطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من صخرة عندهم ناقة عشراء من صفتها كذا وكذا . فعند ذلك
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 13 ص 129 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 19 ص 113 .