تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ويستأذن في اللحوق لحاجته ، فيأذن له ، فإذا قضى حاجته ، رجع إلى ما كان فيه من العمل رغبة في الخير واحتسابا له . فأنزل اللَّه هذه الآيات في المؤمنين وفي المنافقين « 1 » . والمراد بالأمر الجامع في قوله : * ( وإِذا كانُوا مَعَه عَلى أَمْرٍ جامِعٍ ) * : الأمر الهام الذي يستلزم اشتراك الجماعة في شأنه ، كالجهاد في سبيل اللَّه ، وكالإعداد لعمل من الأعمال العامة التي تهم المسلمين جميعا . والمعنى : إن من شأن المؤمنين الصادقين ، الذين آمنوا باللَّه ورسوله حق الإيمان أنهم إذا كانوا مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على أمر جامع من الأمور التي تقتضي اشتراكهم فيه ، لم يفارقوه ولم يذهبوا عنه ، حتى يستأذنوه في المفارقة أو في الذهاب ، لأن هذا الاستئذان دليل على قوة الإيمان ، وعلى حسن أدبهم مع نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قال الآلوسي : وقوله : * ( وإِذا كانُوا مَعَه عَلى أَمْرٍ جامِعٍ . . . ) * معطوف على * ( آمَنُوا ) * داخل معه في حيز الصلة ، والحصر باعتبار الكمال . أي : إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا باللَّه - تعالى - ، وبرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من صميم قلوبهم ، وأطاعوا في جميع الأحكام التي من جملتها ما فصل من قبل . وإذا كانوا معه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على أمر مهم يجب إجماعهم في شأنه كالجمعة والأعياد والحروب ، وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع . . . لم يذهبوا عنه صلى اللَّه عليه وسلَّم * ( حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه ) * في الذهاب فيأذن لهم . . . « 2 » . وخص - سبحانه - الأمر الجامع بالذكر ، للإشعار بأهميته ووجوب البقاء معه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حتى يعطيهم الإذن بالانصراف ، إذ وجودهم معه يؤدى إلى مظاهرته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومعاونته في الوصول إلى أفضل الحلول لهذا الأمر الهام . ثم مدح - سبحانه - الذين لا يغادرون مجلس رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا كانوا معه على أمر جامع حتى يستأذنوه فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ورَسُولِه ) * . أي : إن الذين يستأذنونك في تلك الأحوال الهامة ، والتي تستلزم وجودهم معك ، أولئك الذين يؤمنون باللَّه ورسوله حق الإيمان ، لأن هذا الاستئذان في تلك الأوقات دليل على طهارة نفوسهم ، وصدق يقينهم ، وصفاء قلوبهم . ثم بين - سبحانه - وظيفته - صلى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّه ، إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ . ) *
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن إسحاق ج 3 ص 230 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 18 ص 223 .