تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وفي تصدير كلامه بلفظ * ( عَسى ) * دليل على تواضعه ، وعلى أدبه مع خالقه - تعالى - . ثم بين - سبحانه - ما ترتب على اعتزال إبراهيم للشرك والمشركين فقال : * ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ، وَهَبْنا لَه إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا . ووَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا ، وجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) * . أي : فحين اعتزل إبراهيم - عليه السلام - أباه وقومه وآلهتهم الباطلة . لم نضيعه ، وإنما أكرمناه وتفضلنا عليه بأن وهبنا له إسحاق ويعقوب ليأنس بهما بعد أن فارق أباه وقومه من أجل إعلاء كلمتنا * ( وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ) * أي : وكل واحد منهما جعلناه نبيا * ( ووَهَبْنا لَهُمْ ) * أي : لإبراهيم وإسحاق ويعقوب * ( مِنْ رَحْمَتِنا ) * بأن جعلناهم أنبياء ومنحناهم الكثير من فضلنا وإحساننا ورزقنا . وجعلنا لهم لسان صدق عليا ، بأن صيرنا الناس يثنون عليهم ويمدحونهم ويذكرونهم بالذكر الجميل ، لخصالهم الحميدة ، وأخلاقهم الكريمة . وهكذا نرى أن اعتزال الشرك والمشركين ، والفسق والفاسقين ، يؤدى إلى السعادة الدينية والدنيوية ، وما أصدق قوله - تعالى - : * ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه وَهَبْنا لَه إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ) * . وخص - سبحانه - هنا اسحق ويعقوب بالذكر دون إسماعيل لأن إسماعيل سيذكر فضله بعد قليل . ثم مدح اللَّه - تعالى - موسى - عليه السلام - وهو واحد من أولى العزم من الرسل ، وينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام - فقال - تعالى - : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 51 إلى 53 ] واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّه كانَ مُخْلَصاً وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا ( 51 ) ونادَيْناه مِنْ جانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وقَرَّبْناه نَجِيًّا ( 52 ) ووَهَبْنا لَه مِنْ رَحْمَتِنا أَخاه هارُونَ نَبِيًّا ( 53 ) ولفظ * ( مُخْلَصاً ) * فيه قراءتان سبعيتان ، إحداهما بفتح اللام - بصيغة اسم المفعول - أي : أخلصه اللَّه - تعالى - لذاته ، واصطفاه ، كما قال - تعالى - : قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي . . « 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية 144 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 44 | سيد محمد طنطاوي