تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ولفظ * ( راغِبٌ ) * مبتدأ ، و * ( أَنْتَ ) * فاعل سد مسد الخبر ، و * ( مَلِيًّا ) * أي : زمنا طويلا . مأخوذ من الملاوة ، وهي الفترة الطويلة من الزمان ، ويقال لليل والنهار : الملوان . والمعنى : قال والد إبراهيم له على سبيل التهديد والوعيد ، أتارك أنت يا إبراهيم عبادة آلهتي ، وكاره لتقرب الناس إليها ، ومنفرهم منها لئن لم تنته عن هذا المسلك ، * ( لأَرْجُمَنَّكَ ) * بالحجارة وبالكلام القبيح * ( واهْجُرْنِي مَلِيًّا ) * بأن تغرب عن وجهي زمنا طويلا لا أحب أن أراك فيه . وهكذا قابل الأب الكافر أدب ابنه المؤمن ، بالفظاظة والغلظة والتهديد والعناد والجهالة . . شأن القلب الذي أفسده الكفر . ولكن إبراهيم - عليه السلام - لم يقابل فظاظة أبيه وتهديده بالغضب والضيق ، بل قابل ذلك بسعة الصدر . وجميل المنطق ، حيث قال له : * ( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّه كانَ بِي حَفِيًّا ) * . أي : لك منى - يا أبت - السلام الذي لا يخالطه جدال أو أذى ، والوداع الذي أقابل فيه إساءتك إلى بالإحسان إليك . وفضلا عن ذلك فإني * ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّه كانَ بِي حَفِيًّا ) * أي : بارّا بي ، كثير الإحسان إلى . يقال : فلان حفى بفلان حفاوة ، إذا بالغ في إكرامه ، واهتم بشأنه . وقد وفي إبراهيم بوعده ، حيث استمر على استغفاره لأبيه إلى أن تبين له أنه عدو للَّه - تعالى - فتبرأ منه كما قال - تعالى - : وما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لأَبِيه إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاه ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَه أَنَّه عَدُوٌّ لِلَّه تَبَرَّأَ مِنْه ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لأَوَّاه حَلِيمٌ « 1 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن إبراهيم - عليه السلام - عندما رأى تصميم أبيه وقومه على الكفر والضلال ، قرر اعتزالهم والابتعاد عنهم فقال - تعالى - : * ( وأَعْتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه وأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) * . أي : وقال إبراهيم - أيضا - لأبيه : إني بجانب استغفاري لك ، ودعوتي لك بالهداية ، فإني سأعتزلك وأعتزل قومك ، وأعتزل عبادة أصنامكم التي تعبدونها من دون اللَّه وأرتحل عنكم جميعا إلى أرض اللَّه الواسعة ، وأخص ربي وخالقي بالعبادة والطاعة والدعاء ، فقد عودنى - سبحانه - أن لا يخيب دعائي وتضرعي إليه .
هامش
( 1 ) سورة التوبة الآية 114 .