واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * في قوله : * ( ذلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّه . . . ) * يؤتى به في مثل هذا التركيب للفصل بين كلامين ، والمشهور في مثل هذا التركيب الإتيان بلفظ « هذا » كما في قوله - تعالى - : هذا ذِكْرٌ وإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ « 1 » .
وجئ هنا بلفظ ذلك للإشعار بتعظيم شأن المتحدث عنه ، وعلو منزلته ، وهو يعود إلى المذكور من تهيئة مكان البيت لإبراهيم ، وأمره بتطهيره . . . إلخ .
قال صاحب الكشاف : قوله * ( ذلِكَ ) * خبر مبتدأ محذوف أي : الأمر والشأن ذلك ، كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني ، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال : هذا ، وقد كان كذا « 2 » .
والحرمات : جمع حرمة . والحرمة كل ما أمر اللَّه - تعالى - باحترامه ، ونهى عن قوله أو فعله ، ويدخل في ذلك دخولا أوليا ما يتعلق بمناسك الحج كتحريم الرفث والفسوق والجدال والصيد ، وتعظيم هذه الحرمات يكون بالعلم بوجوب مراعاتها ، وبالعمل بمقتضى هذا العلم .
والمعنى : ذلك الذي ذكرناه لكم عن البيت الحرام وعن مناسك الحج ، هو جانب من أحكام اللَّه - تعالى - في هذا الشأن فاتبعوها ، والحال أن من يعظم حرمات اللَّه - تعالى - بأن يترك ملابستها واقترافها ، فهو أي : هذا التعظيم ، خير له عند ربه . إذ بسبب هذا التعظيم لتلك الحرمات ينال رضا ربه وثوابه .
وقد جاء النهى في هذه الجملة عن فعل هذه الحرمات بأبلغ أسلوب حيث عبر عن اجتنابها بالتعظيم وبأفعل التفضيل وهو لفظ « خير » وبإضافتها إلى ذاته .
فكأنه - سبحانه - يقول : إذا كان ترك هذا التعظيم لحرمات اللَّه يؤدى إلى حصولكم على شيء من المتاع الدنيوي الزائل ، فإن الاستمساك بهذا التعظيم أفضل من ذلك بكثير عند ربكم وخالقكم ، فكونوا عقلاء ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .
هامش
( 1 ) سورة ص الآية 49 .
( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 154 .