تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
ثم بين - سبحانه - ما يفعلونه بعد حلهم وخروجهم من الإحرام فقال : * ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ، ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ولْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) * . والمراد بالقضاء هنا : الإزالة ، وأصله القطع والفصل ، فأريد به الإزالة على سبيل المجاز . والتفث : الوسخ والقذر ، كطول الشعر والأظفار يقال : تفث فلان - كفرح - يتفث تفثا فهو تفث ، إذا ترك الاغتسال والتطيب والتنظيف فأصابته الأوساخ . والمراد بالطواف هنا : طواف الإفاضة ، الذي هو أحد أركان الحج ، وبه يتم التحلل . والعتيق : القديم حيث إنه أول بيت وضع لعبادة اللَّه في الأرض ، وقيل سمى بالعتيق لأن اللَّه - تعالى - أعتقه من أن يتسلط عليه جبار فيهدمه أو يخربه . والمعنى : ثم بعد حلهم وبعد الإتيان بما عليهم من مناسك . فليزيلوا عنهم أدرانهم وأوساخهم ، وليوفوا نذورهم التي نذروها للَّه - تعالى - في حجهم ، وليطوفوا طواف الإفاضة ، بهذا البيت القديم الذي جعله اللَّه - تعالى - أول بيت لعبادته ، وصانه من اعتداء كل جبار أثيم . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد توعدت كل من يصد الناس عن هذا البيت بأشد ألوان الوعيد ، وبينت أن الناس فيه سواء ، وتحدثت عن جانب من فضله - سبحانه - على نبيه إبراهيم - عليه السلام - حيث أرشده إلى مكان هذا البناء ، وشرفه بتهيئته ليكون أول مكان لعبادته - تعالى - ، وأمره بأن ينادى في الناس بالحج إليه ، ليشهدوا منافع عظيمة لهم . ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الذين يعظمون حرمات اللَّه ، وعما أحله اللَّه لعباده من الأنعام ، وعن سوء عاقبة من يشرك باللَّه ، فقال - تعالى - : [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 30 إلى 33 ] ذلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّه فَهُوَ خَيْرٌ لَه عِنْدَ رَبِّه وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّه غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِه ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُه الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِه الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 ) ذلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّه فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( 32 ) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 304 | سيد محمد طنطاوي