تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
أي : جعلناه للناس على العموم ، يصلون فيه ، ويطوفون به ، ويحترمونه ويستوي تحت سقفه من كان مقيما في جواره ، وملازما للتردد عليه ، ومن كان زائرا له وطارئا عليه من أهل البوادي أو من أهل البلاد الأخرى سوى مكة . فهذا المسجد الحرام يتساوى فيه عباد اللَّه ، فلا يملكه أحد منهم ، ولا يمتاز فيه أحد منهم ، بل الكل فوق أرضه وتحت سقفه سواء . وقوله - تعالى - : * ( ومَنْ يُرِدْ فِيه بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْه مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) * تهديد لكل من يحاول ارتكاب شيء نهى اللَّه عنه في هذا المسجد الحرام . والإلحاد الميل . يقال : ألحد فلان في دين اللَّه ، أي : مال وحاد عنه . و « من » شرطية وجوابها « نذقه » ومفعول « يرد » محذوف لقصد التعميم . أي : ومن يرد فيه مرادا بإلحاد ، ويصح أن يكون المفعول قوله * ( بِإِلْحادٍ ) * على أن الباء زائدة . أي : ومن يرد في هذا المسجد الحرام إلحادا ، أي : ميلا وحيدة عن أحكام الشريعة وآدابها بسبب ظلمه وخروجه عن طاعتنا ، نذقه من عذاب أليم لا يقادر قدره ، ولا يكتنه كنهه . وقد جاء هذا التهديد في أقصى درجاته لأن القرآن توعد بالعذاب الأليم كل من ينوى ويريد الميل فيه عن دين اللَّه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فمن ينوى ويفعل يكون عقابه أشد ، ومصيره أقبح . ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل ، أو عن الخير إلى الشر كالاحتقار ، والغش . ولذا قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب : القول الذي ذكرناه من أن المراد بالظلم في هذا الموضع ، كل معصية للَّه ، وذلك لأن اللَّه عم بقوله : * ( ومَنْ يُرِدْ فِيه بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ ) * ولم يخصص به ظلما دون ظلم في خبر ولا عقل ، فهو على عمومه ، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام : ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم فيعصى اللَّه فيه ، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له « 1 » . ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن بناء البيت وتطهيره فقال - تعالى - : * ( وإِذْ بَوَّأْنا لإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً . . . ) * . وبوأنا من التبوؤ بمعنى النزول في المكان . يقال : بوأته منزلا أي : أنزلته فيه ، وهيأته له ، ومكنته منه .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 17 ص 105 .