ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الأنبياء الكرام ، بذكر جانب من قصة مريم وابنها عيسى فقال :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 91 ]
والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 91 )
وقوله : * ( أَحْصَنَتْ ) * من الإحصان بمعنى المنع ، يقال : هذه درع حصينة أي : مانعة صاحبها من الجراحة . ويقال : هذه امرأة حصينة ، أي : مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو زواجها .
أي : واذكر - أيضا أيها المخاطب خبر مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ، أي :
حفظته ومنعته من النكاح منعا كليا . والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها ، وتنزيهها عن السوء .
* ( فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا ) * أي : فنفخنا فيها من جهة روحنا ، وهو جبريل - عليه السلام - حيث أمرناه بذلك فامتثل أمرنا ، فنفخ في جيب درعها ، فكان بذلك عيسى ابنها ، ويؤيد هذا التفسير قوله - تعالى - في سورة مريم : قالَ - أي جبريل لمريم - إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا .
أي : لأكون سببا في هبة الغلام لك عن طريق النفخ في درعك فيصل هذا النفخ إلى الفرج فيكون الحمل بعيسى بإذن اللَّه وإرادته .
والمراد بالآية في قوله - سبحانه - : * ( وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ) * : الأمر الخارق للعادة ، الذي لم يسبقه ولم يأت بعده ما يشابهه .
أي : وجعلنا مريم وابنها عيسى آية بينة ، ومعجزة واضحة دالة على كمال قدرتنا للناس جميعا ، إذ جاءت مريم بعيسى دون أن يمسها بشر ، ودون أن تكون بغيا .
قال صاحب الكشاف : « فإن قلت : هلا قيل آيتين كما قال - سبحانه - : وجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ ؟ « 1 » قلت : لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة . وهي ولادتها إياه من غير فحل » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء الآية 12 .
( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 133 .