وقوله - تعالى - : * ( ونَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) * بيان لسنة من سننه - تعالى - في معاملة عباده .
وقوله - سبحانه - : * ( ونَبْلُوكُمْ ) * من البلو بمعنى الاختبار والامتحان . يقال : فلان بلاه اللَّه بخير أو شر يبلوه بلوا ، وأبلاه وابتلاه ابتلاء ، بمعنى امتحنه « 1 » .
وقوله : * ( فِتْنَةً ) * مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه .
أي : كل نفس ذائقة الموت ، ونختبركم في هذه الحياة بألوان من النعم وبألوان من المحن ، لنرى أتشكرون عند النعمة ، وتصبرون عند المحنة ، أم يكون حالكم ليس كذلك ؟ وفي جميع الأحوال فإن مرجعكم إلينا لا محالة ، وسنجازيكم بما تستحقون من ثواب على شكركم وصبركم ، وسنجازى غير الشاكرين وغير الصابرين بما يستحقون من عقاب ، ولا يظلم ربك أحدا .
قال بعض العلماء : « والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال المبتلى ، ومدى صبره على الضر ، ومدى ثقته في ربه ، ورجائه في رحمته . . فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان .
إن الابتلاء بالخير أشد وطأة . فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير .
كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف ، وقليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة .
كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان ، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل . وقليلون هم الذين يصبرون على الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع .
كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح ، وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة ، ولا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال .
إن الابتلاء بالشر قد يثير الكبرياء ، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب لاستقبال الشدة . .
أما الرخاء فقد يرخى الأعصاب ويفقدها المقاومة . . إلا من عصم اللَّه ، وصدق رسوله اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حيث يقول : « عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » « 2 » .
هامش
( 1 ) المصباح المنير ص 86 .
( 2 ) في ظلال القرآن ج 17 ص 533 للأستاذ سيد قطب رحمه اللَّه .