تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وإذا هنا فجائية ، والجملة بعدها جواب « لما » . وقوله - سبحانه - : * ( لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيه ومَساكِنِكُمْ ) * حكاية لما تقوله لهم الملائكة وهم يركضون هربا - على سبيل التهكم والاستهزاء . أي : يقال لهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين لا تركضوا هاربين * ( وارْجِعُوا إِلى ) * قريتكم وإلى * ( ما أُتْرِفْتُمْ فِيه ) * أي : وإلى ما نعمتم فيه من العيش الهنيء . والخير الوفير ، الذي أبطركم وجعلكم تجحدون النعم ، ولم تستعملوها فيما خلقت له . فقوله : * ( أُتْرِفْتُمْ ) * من الترفه - بالتاء المشددة مع الضم - وهي النعمة والطعام الطيب . يقال : ترف فلان - كفرح - إذا تنعم . وفلان أترفته النعمة ، إذا أطغته أو نعمته . وقوله : * ( ومَساكِنِكُمْ ) * معطوف على * ( ما ) * . أي : لا تهربوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الهنيء ، وإلى مساكنكم التي كنتم تسكنونها ، وتتفاخرون بها . * ( لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ) * أي يقصدكم غيركم لسؤالكم عما نزل بكم ، فتجيبوا عن علم ومشاهدة . قال صاحب الكشاف : « قوله * ( لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ) * تهكم بهم وتوبيخ ، أي : ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم . فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة . أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم ، وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم حشمكم وعبيدكم ، ومن تملكون أمره . وينفذ فيه أمركم ونهيكم ، ويقول لكم : بم تأمرون ؟ وبما ذا ترسمون ؟ وكيف نأتى ونذر كعادة المنعمين المخدّمين . أو يسألكم الناس في أنديتكم . . ويستشيرونكم في المهمات . ويستضيئون بآرائكم . أو يسألكم الوافدون عليكم ، ويستمطرون سحائب أكفكم . . قيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم ، وتوبيخا إلى توبيخ » « 1 » . وهنا أدرك هؤلاء الظالمون ، أن الأمر جد لا هزل ، وأن العذاب نازل بهم لا محالة ، وأن القائلين لهم لا تركضوا ، إنما يتهكمون بهم . فأخذ أولئك الظالمون يتفجعون ويتحسرون قائلين : * ( يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 106 .