تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
الْقَمَرُ وإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ « 1 » . وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر قرنا ، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه ، قريب الوقوع ، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا في عرف الناس ، إلا أنه عند اللَّه - تعالى - قليل ، كما قال - سبحانه - : ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه ، وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 2 » . وقال - تعالى - : إِنَّهُمْ يَرَوْنَه بَعِيداً ونَراه قَرِيباً « 3 » . وقال - تعالى - : * ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ . . ) * بلفظ العموم ، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون ، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع ، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا . قال صاحب الكشاف : وصفهم بالغفلة مع الإعراض ، على معنى : أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم ، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء . وإذا قرعت لهم العصا ، ونبهوا عن سنة الغفلة ، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر ، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا « 4 » . وفي التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب الحساب ، زيادة في الترهيب والتخويف ، وفي الحض على الاستعداد لهذا اليوم ، لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الدنيا حسابا دقيقا ، ولن تملك فيه نفس لنفس شيئا ، وإنما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله . وقوله - سبحانه - : * ( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوه وهُمْ يَلْعَبُونَ ) * بيان لمواقف هؤلاء الغافلين اللاهين ممن يذكرهم بأهوال ذلك اليوم . والمراد بالذكر : ما ينزل من آيات القرآن على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . والمراد بالمحدث : الحديث العهد بالنزول على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو صفة لذكر . أي : أن هؤلاء الغافلين المعرضين عن الاستعداد ليوم الحساب ، لا يصل إلى أسماعهم شيء من القرآن الكريم ، الذي أنزله اللَّه - تعالى - على قلب نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم آية فآية ، أو سورة بعد سورة في أوقات متقاربة ، إلا استمعوا إلى هذا القرآن المحدث تنزيله على الرسول
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 324 . ( 2 ) سورة الحج الآية 47 . ( 3 ) سورة المعارج الآية 6 ، 7 . ( 4 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 101 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 183 | سيد محمد طنطاوي