تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
والكتب المتقدمة ، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها . وقيل : أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة . . « 1 » . وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من اللَّه - تعالى - بصدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما بلغه عنه ، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة ، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح . وقوله - تعالى - : * ( ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِه لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزى ) * كلام مستأنف لتقرير ما قبله من أن القرآن الكريم هو معجزة المعجزات ، وآية الآيات وأرفعها وأنفعها . أي : ولو أنا أهلكنا هؤلاء الكافرين بعذاب الاستئصال ، من قبل مجيء الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليهم ومعه هذا القرآن الكريم معجزة له ، لقالوا على سبيل الاعتذار يوم القيامة : يا ربنا هلا أرسلت إلينا في الدنيا رسولا من عندك ومعه المعجزات التي تدل على صدقه ، فكنا في هذه الحالة اتبعنا آياتك التي جاءنا بها وصدقناه وآمنا به ، من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان والخزي والافتضاح في الآخرة . والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم ، أي : لو أنا أهلكناهم قبل ذلك ، لقالوا ما قالوا ، ولكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم رسولنا ، فبلغهم ما أرسلناه به ، فانقطع عذرهم ، وبطلت حجتهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ولَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ، فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 2 » . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التي أمر فيها رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يهددهم بسوء العاقبة ، إذا ما استمروا في طغيانهم يعمهون ، فقال - تعالى - : * ( قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين : كل واحد منا ومنكم متربص بالآخر ، ومنتظر لما يؤول إليه أمر صاحبه . وما دام الأمر كذلك * ( فَتَرَبَّصُوا ) * وانتظروا ما يؤول إليه حالنا وحالكم * ( فَسَتَعْلَمُونَ ) * بعد زمن قريب . * ( مَنْ ) * هم * ( أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ) * أي : الطريق الواضح
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 364 . ( 2 ) سورة القصص الآية 47 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 173 | سيد محمد طنطاوي