وهذه الآيات الكريمة تحكى قصة ملخصها : أن موسى عليه السلام بعد أن أهلك اللَّه - تعالى - فرعون وجنوده ، سار ببني إسرائيل متجها ناحية جبل الطور ، ثم تركهم مستخلفا عليهم أخاه هارون ، وذهب لمناجاة ربه ومعه سبعون من وجهائهم ، ثم عجل من بينهم شوقا للقاء ربه ، فأخبره - سبحانه - بما أحدثه قومه في غيبته عنهم . وجملة * ( وما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ) * مقول لقول محذوف .
والمعنى : وقلنا لموسى : أي شيء جعلك تتعجل المجيء إلى هذا المكان قبل قومك وتخلفهم وراءك ، مع أنه ينبغي لرئيس القوم أن يتأخر عنهم في حالة السفر ، ليكون نظره محيطا بهم ونافذا عليهم ؟ .
فأجاب موسى معتذرا لربه - تعالى - بقوله : * ( هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي ) * أي : على مقربة منى ، وسيلحقون بي بعد زمن قليل * ( وعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) * أي : وقد حملني على أن أحضر قبلهم ، شوقي إلى مكالمتك - يا إلهي - وطمعي في زيادة رضاك عنى .
فموسى - عليه السلام - قد علل تقدمه على قومه في الحضور بعلتين : الأولى : أنهم كانوا على مقربة منه . والثانية : حرصه على استدامة رضى ربه عنه .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : * ( وما أَعْجَلَكَ ) * سؤال عن سبب العجلة ، فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال : طلب زيادة رضاك أو الشوق في كلامك . وقوله :
* ( هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي ) * كما ترى غير منطبق عليه ؟ .
قلت : قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين : أحدهما : إنكار العجلة في نفسها ، والثاني : السؤال عن سببها الحامل عليها ، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر ، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه ، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدم يسير ، مثله لا يعتد به في العادة ، ولا يحتفل به ، وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة ، يتقدم بمثلها الوفد رئيسهم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 136
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٣٦