وقد ساقت السورة ما ساقت من قضايا ، بأسلوب عاطفى بديع ، يهيج المشاعر نحو الخير والحق والفضيلة ، وينفر من الشر والباطل والرذيلة ، ويطلع العقول على نماذج شتى من مظاهر رحمة اللَّه - تعالى - بعباده الصالحين ترى ذلك في مثل قوله - تعالى - : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَه زَكَرِيَّا .
وفي مثل قوله - سبحانه - : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا .
8 - قال بعض العلماء ما ملخصه : والظل الغالب في جو السورة هو ظل الرحمة والرضا والاتصال . فهي تبدأ بذكر رحمة ربك لعبده زكريا . ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا . ويكثر فيها اسم الرَّحْمنِ .
وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية . ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال ، كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته . . .
كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا ، فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء ، وفيه عمق كألفاظ : رضيا ، سريا ، حفيا ، نجيا . . .
فأما المواضع التي تقتضي الشدة والعنف ، فتجيء فيها الفاصلة مشددة في الغالب ، كألفاظ : ضدّا ، هدّا ، إدّا ، أزّا « 1 » .
وبعد فهذا تعريف لسورة مريم ، نرجو أن يكون القارئ له ، قد أخذ صورة مركزة عن أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة .
والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم .
هامش
( 1 ) من تفسير في ظلال القرآن ج 16 ص 422 للمرحوم سيد قطب .